العودة   الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي .. نحو طرح أصيل .. لتميز دائـــم > منتدى الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي > قسم ( المناقشات الفكرية في الأمور الاقتصادية الإسلامية )

نسيت كلمة السر
 

قسم ( المناقشات الفكرية في الأمور الاقتصادية الإسلامية ) قسم يحتوي على مناقشات فكرية تبين علم : الاقتصاد الإسلامي مقارنة (بالاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي ) .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-22-2008, 04:14 PM
الصورة الرمزية Guendouz
Guendouz Guendouz غير متصل
مشرف قسم
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
الدولة: الأحساء - المملكة العربية السعودية
المشاركات: 401
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى Guendouz إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى Guendouz إرسال رسالة عبر Skype إلى Guendouz
افتراضي النظام الأخلاقي الإسلامي ودوره في التنمية

النظام الأخلاقي الإسلامي ودوره في التنمية
د. محسن عبدالحميد
المصدر: كتاب "الإسلام والتنمية الاجتماعية"

إذا استقرأ الباحث المنصف أحوال الإنسان العقلية والنفسية والاجتماعية، تبين له أنه ثنائي التكوين، له جانبه التكويني المادي الغريزي الذي يشدُّه إلى عالم الحيوان، وجانبه المعنوي الرحماني الذي يذكره بخالقه، وبعنصر الخير والمعاني الفطرية السامية فيه، وهذان الجانبان في صراع دائم، الواحد فيهما يبغي الغلبة على الآخر، فإما أن يتغلب الجانب المادي فتسيطر على الإنسان الغرائز، وتقربه من عالم الحيوان؛ وإما أن يتغلب الجانب الروحي المعنوي فيبعده عن الحياة، ويسلمه إلى عالم الرهبنة، ومحاولة قتل الغرائز المركوزة في طبعه، ولا شكَّ أنَّ غلبة أي من الجانبين إخراج للإنسان من فطرته، وإدخال للاضطراب في حياته.
وفي سبيل مُحافظة الإنسان على إنسانيته دون إفراط أو تفريط يحتاج إلى نظام أخلاقي متزن يستطيع أن يدخل الاتِّزان عليه، ويبقيه في دائرة فطرته السليمة، ويقطع عليه طريق الميل إلى أحد الجانبين؛ الحيواني أو الرُّوحاني؛ كي يستطيع أداء حق الخلافة على الأرض، وينفذ هذه الأمانة الضخمة التي كلِّف بها.

قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[1].
والإسلام الذي جاء خاتمًا للأديان، شاملاً لتوجيه حركة الإنسان، يتدخل لضبط حركة التوازن بين ذينك الجانبين فيه عن طريق نظامه الأخلاقي المثالي؛ لأنه يريد أن يرفع الإنسان إلى مستوى فطرته الإنسانية النظيفة المعتدلة والواقعي؛ لأنه لا يتجاهل طبيعة ومسارات غرائزه التي أودعها الله تعالى فيه، أي إنه لا يريد قتل الغرائز؛ بل يخطط لتوجيهها وتهذيبها؛ حتى تؤدي عملها في الحياة؛ من أجل جعل المجتمع الإنساني مجتمعًا متوازنًا لا يميل إلى التطرف في جانب من جوانب الحياة.

إن عدم وجود هذا النظام الأخلاقي الضابط في المجتمع يقوده إلى الظلم الذي يمنع أن تسير الغرائز الإنسانية في مساراتها الصحيحة فتتصادم، فيأكل القوي الضعيف، ولا تتحقق العدالة، وتختل الموازين، ولا توضع الأشياء في مواقعها الصحيحة، فينهار نظام المجتمع من منطلق سنة الهلاك، قال تعالى:{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً}[2]، قال تعالى: {وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}[3].

وإذا أخذنا مثلاً واحدًا من بين مئات الأمثلة على سلوك المجتمع الظالم، وهو "الرشوة" لتبيَّن لنا صدق تلك الألسنة الإلهيَّة الَّتِي لا تتخلَّف، فالمجتمع الذي تنتشر فيه الرِّشوة تنهار أسس العدالة فيه، فيظلم المرتشي نفسه وغيره ونظام مجتمعه.
أما نفسه فتذل وتفقد الكرامة والإحساس بقيم العدالة، وأما غيره فيلحق به الضرر، ويحول حقه إلى الآخرين، وأمَّا نظام المجتمع، فبتصرُّفه ذلك يدق إسفين عدم الثقة بالنظام الرابط لوحدة المجتمع.

إنَّ النِّظام الأخلاقيَّ الإسلاميَّ الذي يحقق هدف التوازن في كيان الفرد والمجتمع، يمتاز بميزتين أساسيتين[4].
أولاهُما: أنَّه نِظامٌ شامل شُمول الحياة؛ ونعني بذلك أنَّ دائرة الأخلاق الإسلامية واسعة جدًّا، فهي تشمل أفعال الإنسان الخاصَّة جَميعًا، أوِ المتعلِّقة بغيره، سواء أكان هذا الغير فردًا أو جماعة أو دولة.

وعلاقات الدول مع بعضِها تدخل في هذا الإطار، ومن المعلوم أنَّ الحياةَ كُلَّها مظاهرُ لذلك التَّعامُلِ الشَّامل.
ثانيهما: أنَّ الأخلاق ليستْ نِسبية في الإسلام؛ وإنَّما هي تنبع من حقائق خالدة تستند إلى الوحي الإلهي، وهذه النظرة قائمة أساسًا على نظرة الإسلام التعادلية إلى الوجود، فمذهبية الإسلام في الوجود كله تقوم على أساس الترابط والتوازن، ولا تقوم على مبدأ النقيض الذي يفترض عدم وجود الحقائق الثابتة، ويَنبنِي على ذلك مبدأ نسبية الأخلاق في الحياة البشرية[5].

وقوله تعالى: {مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ}[6] دليل على ما نقول، ونزيد على ذلك أن علم الفيزياء الحديث يثبت عدم وجود التناقض في تركيب الذَّرَّة، وبالتالي في بنية الوجود[7].
إن الإسلام يريد أن يوصل الإنسان إلى حالة الاستقامة في السلوك، وهو التوازن الكامل بين طرفي التكوين الإنساني، كي لا ينجرف الإنسان وراء غرائزه فيكون عبدًا لها، فتوجهه إلى الدرك الأسفل من الحياة الهابطة الحيوانية، التي تخرجه من الفطرة السليمة.

وقد امتدح الله تعالى هذه الاستقامة، وجعلها درجة عالية في السلوك الإنساني يستحق عليها صاحبها الدرجة الأوفى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}[8].
ولن تتحقق الاستقامة المطلوبة هذه إلا بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإطاعته والاستسلام المطلق إلى أوامره، والانتهاء عن نواهيه.

وهذا لن يتم في صورته الصحيحة إلا بالتقوى التي هي فضيلة أراد بها القرآن الكريم إحكام ما بين الإنسان والخلق، وإحكام ما بين الإنسان وخالقه، والمراد بها أن تقي الإنسان مما يغضب به ربه، وما فيه ضرر لنفسه أو ضرر لغيره، والاستقامة والتقوى يأتيان عن طريق تزكية النفس، وترويضها على الفضائل، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}[9]، وتزكية النفس وتطهيرها، وضع لها الإسلام نظام العبادة من صلاة، وصوم، وحج، وزكاة، وقراءة قرآن، ودعاء مستمر يمثل التجاء العبد لخالقه العظيم، وطلب الهداية منه في كل حين.

ولا نبالغ إذا قلنا: إن القانون الأخلاقي الذي يحدد قيم السلوك، والحياة في الإسلام، لا يتحقق على الوجه المطلوب إلا إذا وجهه النظام العبادي فيه، ذلك النظام الذي يتكفل بصياغة الإنسان صياغة ربانية عالية، يتمسك بالكمالات ويترفع عن الصغائر، ولا يقترب من سفاسف الأمور.
وهذه المُهِمَّة من أخصِّ مُهِمَّات الدين عبر التاريخ، لا سيما الإسلام الذي أكمل الله تعالى به الدين والرسالات السماوية، ولذلك فإن العقلانية المادية التي نراها في الحضارة الحاضرة عجزت عن إيجاد نظام أخلاقي؛ لأنها قامت على أساس إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، ومنكر وجود الله لا يلتزم لا بالقانون الأخلاقي، ولا بالنظام العبادي؛ بل يؤمن بالمصلحة ويسير على نظرية الغاية تسوغ الوسيلة.

إنَّ علم الاجتماع المبني على المادية الصرفة في الغرب لم يستطع أن ينشئ نظام للأخلاق، لأن مهمته الأساس هي وصف الظواهر الاجتماعية وتعليلها.
ومن هذا المنطلق المهم تبرز الحاجة الماسة إلى التربية الدينية في مجتمعات تلك الحضارة، والتربية الإسلامية المتكاملة والمتوازنة في مجتمعاتنا، حتى يتربى أجيالنا على الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والقيم المنبثقة من نوره الذي أشرقت له السموات والأرض، إن النظام التربوي الأخلاقي الإسلامي يستطيع القيام بهذه المهمة إذا أحسنا فهمه واستيعابه، وعرفنا كيف نطبقه في حياتنا الفردية والاجتماعية تطبيقات سليمًا في إطار ضوابط الفهم الأصولي.

إن الجهود الفردية والمواعظ المنثورة هنا وهناك لا تكفي، إلا إذا قامت الدولة بواجبها الأخلاقي في تربية الأمة على الأخلاق الفاضلة.
إن الدولة تمثل في كل زمان قمة المؤسسات التي تجسد الوجود الاجتماعي الإنساني في مراحل تطوره ورقيه، إذ إن فيها تظهر المواهب، وتنمو الطاقات، وتتضح الخطط، وتتوزع المسؤوليات، فيتقدم الفكر الإنساني، وتتحسن وسائل الإنتاج عن طريق المجهود الجماعي الذي تنظمه وتوجهه أجهزة الدولة المتنوعة، وفيها يتحرك هذا المخلوق المميز المكلف بعقله وغرائزه، ويؤدي دوره المهم في بناء الحضارة، وضمان استمرارها في المستقبل لخدمة الأجيال الآتية
__________________
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا يبيع في سوقنا إلا من تفقّه، و إلا أكل الربا شاء أم أبى"
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-22-2008, 04:15 PM
الصورة الرمزية Guendouz
Guendouz Guendouz غير متصل
مشرف قسم
 
تاريخ التسجيل: Jan 2007
الدولة: الأحساء - المملكة العربية السعودية
المشاركات: 401
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى Guendouz إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى Guendouz إرسال رسالة عبر Skype إلى Guendouz
افتراضي

ة.

إن أهمية الدولة في المجتمع تأتي من أنها تمثل القوة التي لا بديل عنها لإسناد الحقوق، ورد المظالم، وتحقيق قدر أوفى من السعادة والأمن والسلام لبني الإنسان.
ومن هنا انعقد إجماع علماء النفس والاجتماع والفلاسفة - سوى حفنة من الفوضويين - على أنَّ الدولة ضرورة جدًّا لتمييز مجتمع الإنسان عن مجتمعات المخلوقات الأخرى، طالما أن الحق لا يمكن أن يتغلب على الباطل دون الاعتماد على القوة الرادعة، وطالما أن النفس الإنسانية ليست مجبولة على الخير المحض أو الشر المحض، فتغلب أحد الجانبين منوط بالتربية الفردية والاجتماعية، وذلك بإيجاد الجو المناسب الذي يَمنع انتشار الفساد، ويَحفظ الاتِّزان الخلقي من الضياع، ويَمنع جرثومة الغرائز الحيوانية غير المهذبة من التسلل إلى الناس الأسوياء.

من هنا انتبه الماديُّون والعلمانيون من الذين لا يؤمنون بمعايير الفضيلة أو المثل الثابتة، والذين يقولون بنسبية الأخلاق، إلى خطورة تدخل الدولة في إيجاد جو ملائم تنمو فيه المبادئ السامية، التي دعا إليها الأنبياء والمرسلون، والفلاسفة والمفكِّرون، والتي جنت البشرية من ثمارها في تاريخها المديد الاتزان في حياتها، والانسجام الاجتماعي بين أبنائها، والفرص الكفيلة بتحقيق الخير المادي والمعنوي في ظلال الضوابط الأخلاقية التي ولدت العدل، والحرية، والحق، والأمان، في فترات كثيرة.

إنَّ أولئك المادِّيِّين والعلمانيِّين، يقولون: إنَّه ليس من عمل الدولة أن تتدخَّلَ في ضبط السلوك الاجتماعي، لأنَّ عَمَلَ الدَّولة عندهم يقتَصِرُ على تنظيم الشؤون الاقتصاديَّة، وتَجديد وسائلِ الإنتاج وتَحسينِها، وإدارة الهيئاتِ السياسيَّة والإداريَّة، والمؤسَّسات العسكريَّة والثقافيَّة، ولذلك فهم يدعون إلى ترك تَحديد الاتِّجاه الأخلاقي أو بالأحرى يدعون إلى الفصل بين الدولة والأخلاق.

وبِما أنَّ الدين يُحدِّدُ السلوكَ الاجتماعيَّ، ويقرِّرُ النماذج الأخلاقية الثابتة الصالحة التي لا تخضع لنسبية الظروف والأحوال لِمُطابَقَتِها الكاملة للفطرة الإنسانية، لذلك فإنَّهم صاغُوا نظريتهم في قالبها الأخير، وهي: الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة.
إنَّ الدولة ظهرت أصلاً نتيجة لحاجة إنسانية ملحة، وهي نقل الإنسان من حيوان لا يتحكم في كيانه وسلوكه إلى إنسان مضبوط اجتماعيًّا.

على أن الحياة الإنسانية لها جوانب عدة، فهي لا تتحدد بالحسية إلا عند الماديين، فالعقل وانعكاساته في الحياة العملية والنفس، وما يتفرَّع منها من العواطف العليا والدنيا، وما تنطوي عليه من غرائز متنوعة معقدة، والجسد المادي ممثلاً في أعضائه وأوضاعه وخلاياه، كلها مظاهر متنوعة لتلك الحياة الإنسانية، فظهور الدولة كان تعبيرًا عميقًا عن حاجة واقعية، وهي تنظيم علاقات هذه القوى وضبطها، ومحاولة إيجاد توازن شامل بينها، وتأمين عدم التصادم بين أجزائها، ففي سبيل المحافظة على التوازن المطلوب يجب أن تكون وظيفة الدولة شاملة شمول تلك القوى، فهي هيئة سياسية ومؤسسة اقتصادية، وجمعية أخلاقية اجتماعية، وجامعة حضارية؛ لأنها الممثلة الحقيقية لاتجاهات الحياة البشرية ونشاطاتها، والحياة كل لا يتجزأ، وفصل أجزائها يعني زعزعتها، وفيها يكمن إلحاق الضرر الأكيد بالإنسانية، فالحضارة الغربية انحرفت عن طريق الاتزان الإنساني؛ لأن القائمين عليها والموجهين لها من الماديين والماسونيين والعلمانيين، آمنوا بعلمانية الدولة فلم يؤمنوا إلا بقوة التجربة الحسية، وأسقطوا من حسابهم قوة الإيمان واليقين التي تتفرع منها أصول الأخلاق الاجتماعية، والمثل الرفيعة التي تؤمن الاستقرار النفسي والمعنوي لكيان الإنسان، وتقضي على القلق، والضياع، والبغضاء، والجشع عنده.

ويتحصَّل لنا من ذلك أنَّ كلَّ دعوة تدعو إلى حصر وظيفة الدولة بناحية معينة في الحياة، تجانب الفطرة البشرية وتصطدم مع سنن الاجتماع، وتزيغ عن الحقيقة التي نلمسها باستقراء الواقع التاريخي للأمم والجماعات، ألا وهي أن الدولة مرآة للحياة على اختلاف جوانبها وتنوعها.
وإذا كانت حتميَّة الحياة تقتضي أن تتبنَّى الدولة اتجاهات الحياة المتنوعة، وربطها ببعضها وتوجيهها بحيث يكفل السعادة لبني الإنسان، وإذا كان النظام الذي تستعين به الدولة في القيام بهذه العملية المزجية الاجتماعية الكبرى يجب أن يكون نظامًا متَّزنًا واقعيًّا مثاليًّا شاملاً يؤمن إنجاح تلك العملية، ولما كان ذلك النظام يتحقق في أجمل صوره وأعمقها بنظام الإسلام الذي يتميز بتلك الصفات الحيوية الأصلية جميعها، فإن الدولة إن لم تخطط لتربية الأجيال في ضوء نظامه الأخلاقي الرائع ستخفق أصلاً في أداء مهمتها الأساس، وهي بناء مجتمع يعيش فيه الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث هو حيوان؛ لذلك كله يجب أن نقرر أن الذي يدعو إلى زحزحة الأخلاق الإسلامية وشرائعها العملية عن مجال عمل الدولة المعاصرة، يرتكب خطأ جسيمًا؛ لأنه بدعوته تلك يبعد تربية الأمة في ضوء ذلك النظام الإلهي الأخلاقي العادل الذي استوعب الحياة الإنسانية في تشريعاته الكثيرة المتناسقة.

إن القول بفصل الأخلاق الإسلامية عن الدولة، وترك التمسك الكامل بها إلى الأفراد أنفسهم، يعني: أن قسمًا كبيرًا من المبادئ الإسلامية سيتعطل عن التطبيق، وأن المسلم نتيجة لذلك لا يجد الجو الذي يستطيع فيه تنفيذ ما أمر الله به، والتقيد بأحكام شريعته وأخلاقياتها؛ لأنَّ جزءًا كبيرًا منها لا يمكن تطبيقه على الوجه الأكمل إلا عن طريق مجهود جماعي موحد، وهذا المجهود هو الذي يتمثل بالدولة لا في غيرها من المؤسسات الاجتماعية.
ولكن قد يدعي جاهل أو متجاهل أنَّ هذا رجوع بالإنسانية إلى الوراء، وردة إلى حياة البساطة الأولى؛ لأن المشاكل الحضارية الآن في زعمه قد تعقدت، بحيث لا يستطيع معها الإسلام أن يقدم حلولاً تتماشى مع روح العصر!!

وجوابُنا على ذلك أنَّ المدعي لم يفهم أصول الإسلام، ولم يكلف نفسه دراسة شريعته، وسر خلودها، ولم يطلع في الأقل على الدراسات الحديثة التي عرضت الإسلام في مصادره الحقيقية فأثبتت فعاليته العظيمة في إمداد الحضارة بكل خير وفضيلة وتأمين اتزانها واستقرارها، ثم إنه يعيش بمعزل عن رأي فلاسفة الأمم ومشرعيها، ومجامعها العلمية والقانونية في عد الإسلام نظامًا اجتماعيًّا دقيقًا في معالجته لشؤون الحياة الفردية والاجتماعية، إنه وأمثاله لا بد أن يعيدوا النظر في أنفسهم ودراساتهم فيقارنوها بالإسلام في جو مشبع بروح البحث العلمي، بعيدين عن الانحراف، مستأصلين جذور الحقد التي استقرت في نفوسهم تجاهه، نتيجة لظروف تاريخية معلومة، وتمشيًا مع الحملات التبشيرية، والاستشراقية الاستعمارية التي شوهت معالم الإسلام، وكرهتها إلى أبنائه، وأحدثتْ أزمةً شديدة لديهم ضده[10].

وإن هم قاموا بهذه الدراسة كغيرهم من طلاب الحقِّ، سيتوصَّلون بلا ريب إلى حقيقة ما جاء به الإسلام من حيث هو النظام الإلهي القادر على تحقيق سعادة الإنسان بتشريعاته الكاملة، ونظريته الأخلاقية الواقعية التي انتهى إلى إقرار مبادئها العلم الحديث، والتي لها القدرة الهائلة في تهذيب النفوس، ونشر الفضائل الاجتماعية، وتكوين الأفراد الصالحين، ذوي الضمائر الحساسة التي تمنعهم من إفساد المجتمع بالاعتداء على حقوق أنفسهم، وحقوق غيرهم.

وهذا الضمير الأخلاقي الإسلامي هو الذي يفتقده الإنسان في المجتمعات التي تسير على الفلسفات المادية، والنظريات العلمانية، وذلك لافتقاده السبب في بلاء الإنسانية وشقائها، ولأجله شن المصلحون والمفكرون، وعلماء الاجتماع حملات علمية مركزة على تلك النظم التي لم تحقق الخير لبني الإنسان.

ويكاد يجمع المدركون لآلام البشر وأوضاعها المنهارة، أن هذه المشكلة الكبرى في حياة الحضارة الحاضرة، لا يمكن أن تحل إلا بقيام الدولة بواجبها في سبيل تكوين الضمير المفقود في نفوس الكبار والصغار، وليس هنالك نظام أخلاقي كالإسلام قادر على تكوين هذا الضمير الفعال، والواقع التاريخي للإسلام يدفع كل اعتراض، ويزيل الغشاوة عن الأعين، فلقد استطاع أن يكون نماذج بشرية تمثل أعلاها وأرقاها في الفضائل الإنسانية جميعًا، فكانت بحق أجيالاً تمثل أعمق جذور الخير والحق في مجتمع الإنسان.

[1]الأحزاب: 72.
[2]الإسراء: 16.
[3]الكهف: 59.
[4]في سبيل الاطلاع على تفاصيل النظام الأخلاقي الإسلامي راجع:
أ - "أصول الدعوة" للدكتور عبدالكريم زيدان: ص 90.
ب - "روح الدين الإسلامي" عفيف عبدالفتاح طبارة: ص 171.
ج - "الاتجاه الأخلاقي في الإسلام" لمقداد يالجن.
[5]"الفكر المادي الحديث وموقف الإسلام منه": ص 275.
[6]الملك: 3.
[7]"أسس الاشتراكية العربية" للدكتور عصمت سيف الدين: ص 99.
[8]فصلت: 30.
[9]الشمس: 9، 10.
[10]كتب المؤلف كتابًا خاصًّا في هذا الشأن هو: "أزمة المثقفين تجاه الإسلام في العصر الحديث" - طبع في القاهرة والرباط معا عام 1405 هـ.
المصدر: موقع الألوكة
__________________
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا يبيع في سوقنا إلا من تفقّه، و إلا أكل الربا شاء أم أبى"
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 03-22-2009, 01:45 AM
بشر محمد موفق بشر محمد موفق غير متصل
مشرف قسم
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 747
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى بشر محمد موفق
افتراضي أخلاقية الاقتصاد الإسلامي

الاقتصاد الإسلامي أخلاقي واجتماعي عادل


بشر موفق

عثمان ظهير من الرياض
ما مدى الارتباط بين علم الاقتصاد وبين القيم والأخلاق التي يحتكم إليها المجتمع؟ وكيف ينظر لها الاقتصاد الإسلامي؟ وبماذا يختلف عن الاقتصاد الرأسمالي؟ حول هذا الموضوع تحدث لنا بشر موفق، دارس في مرحلة الدكتوراة في الاقتصاد والمصارف الإسلامية في جامعة اليرموك، يقول بشر: بالنسبة للارتباط بين علم الاقتصاد وبين منظومة القيم والأخلاق، فإننا نعلم أن علم الاقتصاد الوضعي في حد ذاته وصفه بعض الاقتصاديين من الرأسماليين والشيوعيين والماركسيين بأنه علم موضوعي غير معياري ولا أخلاقي، وأوضح ذلك بقوله أي أنه لا تربطه صلة بالمنظومة القيمية، لذا فليس للاقتصادي ولا المحلل أن يدخل أي بُعدٍ أخلاقي أو معياري في تحليله، سواء في تحليله لسلوك المستهلك أو سلوك المنتج أو غيرهما. وأضاف ممن نادى بذلك الاقتصادي المعروف روبنز، ولكن الدعوة الأشرس كانت من نادي روما عام 1965، الذي رأى المؤتمرون فيه أن الحاجات والرغبات الإنسانية تتزايد بمعدلات أسّيَّة، كما أن التلوث يعم العالم، ما يعني أن الحياة ستنعدم يوماً ما، ما يعني أن نترك الفقراء لتذبحهم الطبيعة بأعاصيرها وفيضاناتها وكوارثها الطبيعية؛ لأنهم عالة على العالم، ويجب التخلص منهم.
وتابع بشر لم يكتفوا بعدم أخلاقية علم الاقتصاد، بل أدخلوا إليه البُعْد الاستغلالي والممعن في التطرف الطبقي والعدائي، ويضيف على المقابل فإننا رأينا الاقتصادي السان سيمونية مثلا ينادي بأن علم الاقتصاد علمٌ معياري، ولا ينفصل عن المنظومة القيمية والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه، التي تمثل المذهب الاقتصادي لكل مجتمع يرتضي هذا المذهب موجهاً لحياته الاقتصادية، بل لعل بعضهم أطلق عليه اسم الأب الروحي للرأسمالية الاجتماعية.
هل ترى أن علم الاقتصاد الإسلامي يقف من القيم والأخلاق الموقف نفسه وينظر إليها النظرة نفسها أم أن هناك موقفاً آخر في علم الاقتصاد الإسلامي من هذه المنظومة؟ حول هذا السؤال يقول بشر: إن الناظر في علم الاقتصاد الإسلامي يرى بأم عينه أن هذا النظام يكتسب إسلاميته من خلال مجموعة القيم الإسلامية والمنظومة الأخلاقية والمعايير التشريعية التي يتميز بها، وعليه فإن علم الاقتصاد الإسلامي يتميز بأنه معياري وأخلاقي. وتابع قائلا: بل إن هذا من دواعي نقمة الرأسمالية على النظام الاقتصادي الإسلامي، فقد أثبتت أدبيات هذا النظام أنه اجتماعي وعادل خلافاً للأنظمة الاقتصادية الأخرى التي ظهرت في ظلها الأزمات وعمَّ الظلم، ويقول بشر إن من حق الدكتور محمد عمر شابرا أن يطلق على النظام الإسلامي اسم النظام العادل في كتابه "نحو نظام نقدي عادل". ويضيف هذا كله فضلا عن الناحية التطبيقية لهذا العلم، فإن الناظر في تاريخ الحضارة الإسلامية يجد ما تعجز الكلمات عن وصفه من انبهار غير المسلمين بالنظام الاقتصادي الإسلامي، وكذلك الحال بالنسبة للدعوات المعاصرة المنصفة في ظل الأزمة المالية العالمية المعاصرة، ويمثل بشر لذلك بمثل نداءات موريس آلية الحائز جائزة نوبل للاقتصاد لتصفير الفوائد، أي أن يصبح النظام النقدي العالمي نظاماً غير ربوي ولو مؤقتا لحل الأزمة على الأقل، وكذلك إعادة توزيع الدخول لصالح الفقراء بنسبة 2 في المائة كما يقول، فسبحان المشرع العظيم الذي فطر الناس على الفطرة وجعل الإسلام دين الفطرة، وتساءل إذا كان اقتصادي شهير مثل آلية قد قاده تفكيره بإنصاف وتجرد وموضوعية إلى نداءات تقارب دين الفطرة.. فهل بعد ذلك نبتعد عن تعاليم ديننا الخالد؟ هل ننتظر أن ينادي به كبار الغرب حتى نتبناه ونطبقه في حياتنا ومجتمعاتنا.
ونبه بشر إلى أن النصوص الشرعية تربط علم الاقتصاد الإسلامي بمنظومة الأخلاق والمعايير والقيم كما في قوله تعالى: "والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما" هذه الآية تعد أساساً وركناً ركيناً في تفسير سلوك المستهلك ودالة المنفعة، كما أن الله امتدح النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأمر وصفه بأنه عظيم وهو في قوله تعالى: "وإنك لعلى خلق عظيم". وختم حديثه بقوله هذا المدح يدل على عِظَم مكانة الأخلاق في صفات قائد هذه الدولة الإسلامية الخالدة، ومن جوانبها الجانب الاقتصادي، وقد ألِّفَتْ عديد من الكتب والدراسات حول الارتباط الوثيق بين النظام الاقتصادي الإسلامي ودور الأخلاق والقيم فيه.

جريدة الاقتصادية: 21/3/2009م


آخر تعديل بواسطة admin ، 04-06-2009 الساعة 07:56 PM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 03-22-2009, 01:47 AM
د. رانية العلاونة ( رحمها الله ) د. رانية العلاونة ( رحمها الله ) غير متصل
مشرف قسم
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
المشاركات: 1,406
إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى د. رانية العلاونة ( رحمها الله )
افتراضي بالرغم من انني كتبت لكم هذا التعليق الا انني ساعيد كتابته هنا

بالنسبة لاخلاقيات علم الاقتصاد الاسلامي اردت القول ان المذهب الاقتصادي الاسلامي مذهب مبرأ من النسبية وانه اصلا قام ليفسر منطق التشريع الاسلامي المبني على العلل والمصالح . وان السلوك الاقتصادي سوى للفرد الاقتصادي المسلم او الاجتماع المسلم موجه بمنظومة قيمية فريدة تستمد اصولها من كتاب الله وسنة نبيه الكريم.
وبالنسبة لنادي روما فلننظر عالميا ماذا يفعل النظام الرأسمالي ليواري سؤاته انه يخلق درعا جديدا للدفاع عن الذات فنراه تارة يتكلم عن حقوق الانسان وشبكات الامان الاجتماعي وتارة اخرى يعمل مؤتمرات عالمية تحمل عنوان نحو انسنة النظام الاقتصادي الراسمالي او اكثر من ذلك ادلة.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-22-2009, 01:53 AM
بشر محمد موفق بشر محمد موفق غير متصل
مشرف قسم
 
تاريخ التسجيل: Jan 2008
المشاركات: 747
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى بشر محمد موفق
افتراضي

لا شك في إدراكم مدى الويلات التي جلبتها توصيات نادي روما.. ثم التطبيق الأعمى العالمي لهذه السياسات..
ولذا نرى النظام الرأسمالي الظالم والمتخبط أيضا في ذات الوقت بدأ يحاول تجميل صورته بهذه المؤتمرات بين الفينة والأخرى..
وإن كان حتى في هذه الخطوة غير صادق؛ وذلك أنه خطا هذه الخطوة نظريا دون تغيير السياسات الاقتصادية العالمية قيد أنملة عما خُطِّطَ لها..
وإنا لله وإنا إليه راجعون..
والله غالبٌ على أمره..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-22-2009, 01:56 AM
حمزة شودار حمزة شودار غير متصل
مـسـتـشـار
 
تاريخ التسجيل: Aug 2008
الدولة: الجزائر
المشاركات: 700
افتراضي

صدقت أخي بشر فيم رميت إليه، فعلم الاقتصاد الإسلامي مبني على مجموعة من القواعد الاخلاقية التي تحكم مختلف العلاقات في المنظومة الاقتصادية، انطلاقا من قواعد نظام المشاركة في تنظيم الحركية الاقتصادية وصولا لآليات التكافل والتعاون التي تبني الاتناسق والتجانس بين فئات المجتمع وشرائحه.
كم نأمل فقط أن تكون المؤسسات التطبيقية لنظرية الاقتصاد الإسلامي بمستوى القواعد الأخلاقية التي تحكمه وتضبطه.
__________________
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام...فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 07-14-2010, 11:06 PM
محاسن الظاهر محاسن الظاهر غير متصل
سفيرة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,482
افتراضي القيم الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام .

القيم الاقتصادية والاجتماعية في الإسلام .





تقوم السياسة الاقتصادية في الإسلام على أساس ضمان المستوى اللائق لمعيشة كل فرد، وأنه متى توافر لكل فرد في المجتمع الإسلامي حاجاته الضرورية بقدر الكفاية لا الكفاف باعتبار ذلك قوام الحياة الكريمة، فإن الإسلام يسمح بالثروة والغنى لكل حسب جهده وعمله باعتبار ذلك زينة الحياة الدنيا.
ـ وضمان حد الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي هو حق مقدس تكفله الدولة الإسلامية لكل مواطن فيها بغض النظر عن ديانته أو جنسيته بحيث لا يسمح الإسلام بالثروة والغنى مع وجود الفقر والحاجة، وإنما يبدأ الغني والتفاوت فيه بعد كفالة حد الكفاية لا الكفاف لكل مواطن.
كما أن الاسلام لا يقر الإسراف والتبذير (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفوراً) ولا يسمح بحال من الأحوال بالترف (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين).
وإقرار الإسلام للتفاوت في الثروة والدخول لا يعني كما تصور البعض أن الاسلام يقر وجود طبقات متميزة بسبب المال ذلك أن الاسلام لا يعرف ولا يقر الطبقية فضلاً عن أن الناس جميعاً لديه سواء والعامل الوحيد المميز بين الناس هو عامل التقوى بمفهوم الإيمان والعمل لا عامل المال.
لذلك يتطلب الإسلام تدخل الدولة لتحقيق التوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع وإذابة الفوارق بينهم.
على خلاف سائر السياسات والفلسفات الروحية يدعو الإسلام إلى الرخاء الاقتصادي بل يعتبر الإسلام الغنى واليسر المادي هو أساس التقدم والسمو الروحي فصحة الأبدان في الاسلام مقدمة على صحة الأديان، وأنه لا يمكن أن تتوقع من محروم أو جائع مشرد سوى الرذيلة والانحراف.
وأنه بقدر ما ندد الإسلام بالفقر وأنه كاد أن يكون كفراً بل الفقر والكفر في نظره متساويان نجده يدعو إلى الثروة والغنى بل يعتبر السعي على الرزق من أفضل ضروب العبادة. ويعان المرء من مال الزكاة لاستكمال حاجته الضرورية ولا يعان من مال الزكاة للانقطاع للعبادة. ((يقرر الفقهاء في أحكاما لزكاة بأنه يعطي منها للمتفرغ للعلم على حين يحرم منها المتفرغ للعبادة ذلك أن عبادة المتعبد لنفسه أما علم المتعلم فله ولسائر الناس)).
وأساس الثروة والغنى في الاسلام هو العمل (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون).
فتفاوت الناس في أرزاقهم ومعيشتهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات وتفضيل بعضهم على بعض درجات ليس اعتباطاً وإنما هو بقدر ما يبذلونه من جهد وعمل صالح وصدق الله العظيم (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى).



يتبع .
__________________
____________


مامن عظمة إلا وبها مسحة من الجفون !


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 07-14-2010, 11:07 PM
محاسن الظاهر محاسن الظاهر غير متصل
سفيرة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,482
افتراضي

لكن الإسلام لا يسمح بالتفاوت الكبير في الثروة والدخول إذ أن أكبر بواعث السخط والاضطراب في المجتمعات وأشد ما يخلق الصراع بينها هو التفاوت الفاحش وتركز الثروة في يد فئة قليلة، والمشكلة الاقتصادية ليست مشكلة الفقر في ذاته وإنما هي مشكلة التفاوت الشديد في الثروة والدخول سواء بين الأفراد على مستوى المجتمع المحلي أو بين الدول على مستوى المجتمع العالمي.
وقد نهى الإسلام عن التفاوت الشديد في الثروة والدخول بقوله تعالى: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
ومن ثم فإنه من المقرر أن يتدخل الشارع الإسلامي لإعادة التوازن الاقتصادي عند افتقاده.
والإسلام اهتم بحماية المال وصيانة حق المسلم فيه وحرم الاعتداء عليه أو أخذه بالباطل (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل).
وقد وضع الله تعالى الحدود صيانة ((للمال وحفاظاً على حقوق الناس ودرءاً للعابثين السارقين)) قال الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا).
بل إن رعاية المال وصيانته ضمن تلك المطالب التي أكد الإسلام حمايتها من العبث أو تلاعب أولئك المعتدين بها أو تعرضها لطيش الباغين وعدوان الظالمين فحرم الإسلام الاعتداء على دماء الناس أو أعراضهم أو أموالهم.
وقد نفر الإسلام وحذر من الكسب الخبيث وتوعد مَن يكسب ماله من غير الطرق المشروعة بالعذاب الأليم.
فقال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً) وقال تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) إن كسب المال واستثماره لا بد أن يأخذ طرقه المشروعة ولا بد أن يخرج من موارده الطيبة، أما إن حاد الإنسان في أخذ المال أو استثماره عن غير طريقة الحلال فإن ذلك يضره أكثر مما ينفعه.
ـ والإسلام حين صان الأموال وجعل لها حريتها ووضح سبل التعامل بها في الطرق المشروعة أمرنا أن نعمل على تزكية أموالنا وتطهيرها وتنميتها وليس ذلك بالكنز الدائم أو الادخار المستمر وإنما بدفع ما فيها من حقوق يستحقها الفقير والمسكين وذوو الحاجات (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).
وفي ذلك تطهير للمال بل إن في ذلك تطهراً لنفس المزكي والمتصدق الذي يدفع الحق المعلوم للسائل والمحروم فتتطهر نفسه وتتزكى من غائلة الشح ومن دنس البخل وتتسم بروح الكرم والسخاء والمودة والوفاء فيترعرع فيها كل فضيلة من فضائل الإسلام زكية وارفة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
كما أن في ذلك أيضاً تطهراً لنفس الفقير الذي تدفع إليه الأموال وتمتد له الأيدي الكريمة فيشعر بأخوة الإسلام الصادقة فيفيض قلبه مودة ورحمة وحناناً وحباً وتجيش عاطفته بالولاء.



يتبع .
__________________
____________


مامن عظمة إلا وبها مسحة من الجفون !


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 07-14-2010, 11:08 PM
محاسن الظاهر محاسن الظاهر غير متصل
سفيرة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,482
افتراضي

وهنا يستشعر الفقير مودة الغني ويستشعر الغني حب الفقير فتقتلع من النفوس كل رذيلة أو بغضاء وتنمو بها الألفة والصفاء ويشرق المجتمع متحاباً بروح الله. هكذا يضع لنا ديننا سمات المجتمع الصالح:
الإسلام ونظرته إلى العمل:



دعا الإسلام الناس إلى العمل وحظر عليهم القعود والكسل وأبان لهم أن مناط أرزاقهم إنما هو السعي في الأرض فقال تعالى: (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور).
وحذرت السنة المطهرة من القعود عن طلب الرزق والركون إلى سؤال الناس، فقال (صلى الله عليه وسلم ): ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)).


دعا القرآن في الآية إلى شدة السعي في جوانب الأرض وبين أن ذلك هو سبيل الرزق وأن الرزق لا يأتي الإنسان إلا إذا أخذ في العمل له بجد ونشاط وتكلف في ذلك مشقة السعي بكل وجهها كما بين في الحديث أن أي عمل يعمله الانسان ولو كان هو الاحتطاب وجمع أغصان الشجر المتساقطة في الصحراء أفضل وأشرف من أن يقعد الإنسان ساكناً ينتظر المعونات والصدقات ذلك أن الإسلام يمجد العمل سواء أكان عملاً عظيماً أم كان عملاً متواضعاً.


وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) ثم أن القرآن عمد ـ بعد الإشادة بمجد العمل وتأكيد المطالبة به ـ إلى زيادة هذه المعاني تثبيتاً وخطورة فربط مصير الإنسان بالعمل في أمور الدنيا وأمور الآخرة جميعاً يقول الحق تبارك وتعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) وكذلك يمجد الإسلام العمل ويؤكد المطالبة به بصورة لن توجد في أي نظام ولا أي فلسفة أخرى أفضل وأنفع منها.


الإسلام وتناوله للجريمة:
ليست الجريمة بالشيء الجديد في حياة الجماعة الإنسانية فهي قديمة قدم المجتمع ذاته، أي أنها ظاهرة اجتماعية توجد مع الجماعة تتطور بتطورها وتخضع لما تخضع له من مؤثرات وعوامل، فالأمر الذي لا شك فيه أن الظاهرة الإجرامية لا توجد إلا حين يكون هناك مجتمع ونتيجة لوجود المجتمع.
ولذلك فإن الاهتمام بالجريمة ليس حديثاً فهو يرجع إلى عهود سحيقة فقد كانت الأفعال المضادة للمجتمع تثير اهتمام الناس بمرتكبها وتسبب لهم فزعاً وخوفاً مروعاً. وفي تلك الأزمنة الغابرة كانت الجريمة بعكس الحال اليوم تحدث لدى المجتمع ردود فعل بالغة العنف نتيجة البساطة الشديدة التي كانت تتسم بها القواعد القانونية التي تحكم سلوك الأفراد وعلاقاتهم فضلاً عن قلة عددها مما كان يجعل الخروج عليها عملاً بارزاً يلفت الأنظار ويسترعي الانتباه إلى مَن ارتكبها واعتباره إنساناً غير عادي فكانت المجتمعات في تلك المرحلة التاريخية من حياة الانسان تعتقد أن المجرم ليس سوى شيطان أو إنسان مسه الشطيان أو أنه إنسان شاذ أو مخلوق غريب أو شبح أو روح أو ميت حي كمصاص الدماء الذي حفلت بسيره الأساطير.
وبصفة عامة فإن النظرة إلى المجرم لم تكن سليمة لأنها كانت تستند إلى أفكار غريبة ومعتقدات شاذة:
ولذلك كانت المجتمعات القديمة تعتبر مَن يرتكب الجريمة جديراً بأن تنزل به اشد العقوبات وأقساها دون أن تحاول البحث عن الأسباب التي أدت به إلى ارتكاب الجريمة أو العوامل التي ساهمت في انحرافه بل أنها لم تكن تهتم بالتحقيق من قيام مسؤوليته الجنائية عن الجريمة.


يتبع .
__________________
____________


مامن عظمة إلا وبها مسحة من الجفون !


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 07-14-2010, 11:10 PM
محاسن الظاهر محاسن الظاهر غير متصل
سفيرة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,482
افتراضي

وكان للشريعة الإسلامية أثراً بالغاً بل أنها تعتبر نقطة تحول بارزة في نظرة المجتمعات إلى الجريمة والمجرم، كذلك وضعت الشريعة كافة المبادئ التي قامت عيها فيما بعد قوانين العقوبات كمبدأ شرعية الجرائم. ومبدأ عدم رجعية القوانين الذي يقرر عدم جواز معاقبة شخص أو قيام مسؤوليته عن جريمة استناداً لقانون صدر بعد إتيانه للفعل الذي أصبح المشرع يجرمه (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف)، (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) كذلك لم يمتد تطبيق عقوبة الرجم (بالنسبة للمحصن) والجلد (لغير المحصن) إلى مَن سبق أن زنوا قبل تقرير هاتين العقوبتين لأنهم كانوا يخضعون قبل ذلك لحكم آخر وهو قوله تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً واللذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما).




كذلك قررت وجوب إعلام المخاطبين بالقاعدة القانونية قبل تطبيقها فلا عقاب لمن أتى فعلاً وهو لا يعلم بتجريمه وفرضت مبدأ شخصيته المسؤولية فلا تعاقب الجماعة لجرم ارتكبه أحد أفرادها (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه)، (ولا تزر وازرة وزر أخرى)، (مَن عمل صالحاً فلنفسه ومَن أساء فعليها)، (من عمل سوءاً يجز به).


كما حددت موانع المسؤولية وهي صغر السن والجنون والإكراه والخطأ، قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم ): ((رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحكم. وقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) كذلك قررت مبدأ عاماً وهو أن الضرورات تبيح المحظورات.



ولم تميز في العقوبة بين غني وفقير ولا بين قوي وضعيف ولا بين شريف وحقير وفي ذلك يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): ((إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) فالكل سواء أمام القانون.



الإسلام والحياة:


الدين الإسلامي هو دين الفطرة متوائم مع ميول وطباع الإنسان ومتوافق مع إشباع ذاتيته الجسمية والنفسية في الحدود التي لا تضر به ولا تؤذي غيره ـ وفي ذلك يقول الله تعالى منكراً على هؤلاء الذين يباعدون بين الإنسان وبين استعداده الفطري (قل مَن حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق هل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون).



ومن قبل هذه الآية أمرنا بلبس فاخر الثياب والأكل والشرب بدون إسراف أو إتلاف، فقال: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) وفي آية أخرى ينهي عن التقتير والشح، فيقول: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) ويقول أيضاً مادحاً هؤلاء الذين يعرفون من الإسلام هذا الجانب المشرق المعقول (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) فجعلهم لأجل ذلك ضمن سكان الجنان وأنهم لهذا: (يجزون المغفرة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً).




يتبع .
__________________
____________


مامن عظمة إلا وبها مسحة من الجفون !


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الأخلاق, الاقتصاد الأخلاقي

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 02:25 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

جميع الآراء المطروحة بالمنتدى لاتعبر بالضرورة عن رأي أصحاب ومالكي الموقع