العودة   الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي .. نحو طرح أصيل .. لتميز دائـــم > منتدى الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي > قسم ( الثقافة الاقتصادية الإسلامية وفروعها )

نسيت كلمة السر
 

قسم ( الثقافة الاقتصادية الإسلامية وفروعها ) يجمع هذا القسم جميع شتات المواضيع التي ليس لها قسم معنون ،، كالطرائف والقصص والمسابقات والمنوعات .

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-29-2010, 10:05 PM
محاسن الظاهر محاسن الظاهر غير متصل
سفيرة الموقع
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الأردن
المشاركات: 1,482
Lightbulb مصادر تمويل العمل الخيري في الإسلام .

مصادر تمويل العمل الخيري في الإسلام .




بقلم العلامة الدكتور القرضاوي




.












عُني الإسلام أبلغ العناية بفعل الخير والدعوة إليه، وجعله من مقاصده الأصلية، وأصَّله تأصيلا، وفصَّله تفصيلا،
وأورد لنا نماذج كثيرة من مظاهر فعل الخير التي دلَّ عليها، ودعا إليها،
وهنا سؤال مهم، وهو: من أين تمويل أعمال الخير على تشعُّبها وتفرُّعها وكثرتها؟
وبعبارة أخرى: ما مصادر تمويل أعمال الخير في الإسلام؟
ونجيب عن هذا السؤال بأن مصادر تمويل الخير كثيرة جدا في دين الإسلام، بعضها منوط بالأفراد، وبعضها منوط بالمجتمع أو ما يطلق عليه الآن: المجتمع المدني، وبعضها منوط بالدولة.
بعض هذه المصادر دوريَّة، وبعضها غير دوريٍّ، بعضها مطلوب طلب الفريضة، وبعضها مطلوب طلب الفضيلة.
وكلُّها تكوِّن في مجموعها روافد أساسية وهامَّة لتمويل أعمال الخير، وبقائها واستمرارها، حتى تظلَّ محقِّقة هدفها، مؤتية أُكُلها بإذن ربها.
وسنذكر هنا عددا من هذه المصادر.
1- الزكاة
أول هذه المصادر وأعظمها وأهمُّها: هو: الزكاة، التي فرضها الله على أموال المسلمين، تطهيرًا وتزكية لأنفسهم وأموالهم، وتحقيقا لتكافل المجتمع المسلم، ومساهمة أساسية في عمل الخير. واعتبرها الرسول الكريم: الركن الثالث من أركان الإسلام، وقرنها القرآن بالصلاة - عمود الإسلام - في ثمانية وعشرين موضعا.
وهي واجبة في كلِّ مال نامٍ بلغ نصابا فاضلا عن الحوائج الأصلية لصاحبه، سالما من الدين، كما أنها تجب في كلِّ حَوْل (سنة قمرية) مرة واحدة.
كما تجب عند الحصاد في الزروع والثمار، وما يلحق بها.
وهي تمثل 2.5% من السيولة النقدية ومن قيمة عروض التجارة التي يملكها الأفراد أو الشركات، من رأس المال والربح معا، ونحوها من الثروة الحيوانية، و10% من الزروع والثمار التي تُسقى بالمطر أو بغير آلة، و5% مما يسقى بالآلات ونحوها، و20% من الركاز.
والأصل فيها أن تشرف الدولة عليها الدولة، بواسطة (العاملين عليها).
ومن هنا نرى أن الإسلام جعل على أداء هذه الفريضة حرَّاسا ثلاثة.
الأول: حارس الإيمان في ضمير المسلم، وهو حارس لا ينام ولا يني، ما دام الإيمان باقيا.
والثاني: حارس الضمير الاجتماعي لدي المجتمع المسلم، الذي جعل الله بعضهم أولياء بعض، وفرض عليهم أن يتناصحوا ويذكِّر بعضهم بعضا، وينبِّه بعضهم بعضا إذا قصَّر في فرض، أو أقدم على محظور.
والثالث: حارس السلطان، الذي يَزَع الله به ما لا يَزَع بالقرآن، أي حارس القانون وسلطة الدولة.
فمن ضعف حارس الإيمان في قلبه، نبَّهه حارس المجتمع وذكَّره وأمره بها، فمَن لم يرتدع بذلك: جاء حارس القانون، فأخذها منه كرها إن لم يدفعها طوعا.
وإذا وجدت فئة ذات شوكة، وامتنعت عن أداء الزكاة، أنذرها ولي الأمر، فإن لم تستجب، وتمرَّدت على السلطة الشرعية: قاتلها حتى تؤتي حقَّ الله وحقَّ الفقراء.
وأعتقد أن الدولة الإسلامية كانت هي أول دولة في التاريخ تجيِّش الجيوش، وتعلن الحرب، من أجل انتزاع حقوق الفقراء من براثن الأغنياء. وقال في ذلك الخليفة الأول أبو بكر الصديق: والله لو منعوني عقالا (أي حبل بعير) كانوا يؤدُّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه[1].
وقد فصَّل الفقه الإسلامي أحكام الزكاة: وعاءها، ومقاديرها، ومصادرها، ومصارفها، مما لا يتَّسع المقام لذكره ههنا. وأصبحت في جملتها بيِّنة لكلِّ مسلم.
2- زكاة الفطر
ومن هذه المصادر: زكاة الفطر السنوية، التي فرضها رسول الإسلام بمناسبة الفطر من رمضان وقدوم العيد، حتى يشترك الجميع في فرحة العيد موسرين ومعسرين.
وقد قلَّل مقدارها (صاعا من طعام) أو قيمته عند كثير من الفقهاء، ولم يشترط فيها ملك النصاب كما في زكاة الأموال، فهي فريضة على الرؤوس.
ويحرص المسلمون عادة في أنحاء العالم على أداء هذه الزكاة أو الصدقة، ويمكن للعلماء والجمعيات الإسلامية بالتعاون: أن توجِّهها أو توجِّه جزءا منها كلَّ عام في آفاق مشروع خيري كبير[2].
3- الحقوق الواجبة في المال بعد الزكاة
ومن هذه المصادر: الحقوق الواجبة في المال بعد الزكاة، فالزكاة أول الحقوق وليست آخرها. وقد ذكر القرآن في آية البرِّ: إيتاء الزكاة بعد إيتاء المال ذوي القربى واليتامى والمساكين، والعطف يقتضي المغايرة، قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} [البقرة:177].
وأبرز هذه الحقوق: حقُّ كفالة العيش الملائم لكلِّ مَن يعيش في كنف المجتمع المسلم، بحيث تحقق له الكفاية التامَّة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكلُّ ما لا بد له منه، لنفسه ولمَن يعوله، على ما يليق بحاله من غير إسراف ولا تقتير، كما بيَّنه الإمام النووي.
والأدلَّة الشرعية على ذلك كثيرة من القرآن والسنة. ويمكن مراجعة كتابنا (فقه الزكاة)، وكتابنا (مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام).
4- الأضحية في عيد الأضحى
ومن ذلك: الأضحية التي شرعها الإسلام في عيد الأضحى، كما شرع زكاة الفطر في عيد الفطر. ويراها الإمام أبو حنيفة واجبة على أهل اليسار، ويراها الأئمة الآخرون سُنَّة مؤكَّدة.
وفي هذه توسعة على أهل المضحِّي، وعلى أقاربه وجيرانه والفقراء من حوله، حيث من السُّنَّة: أن توزَّع الأضحية أثلاثا: ثلث له ولأسرته، وثلث يهديه لأصدقائه وأقاربه، وثلث للفقراء. وبهذا يشعر الفقراء أن العيد ليس للأغنياء وحدهم، وإنما هو للجميع.
ويحرص المسلمون كثيرا على إحياء سُنَّة (الأضحية)، وينبغي الاستفادة من هذا التوجُّه العام، لإفادة البلاد الفقيرة، والبلاد المتضرِّرة من هذه السُنَّة أو الشعيرة.
وتقوم الجمعيات الخيرية الإسلامية بجهد مشكور في هذه الناحية. وكثيرا ما يختار كثير من المسلمين أن يجعلوا أضحيتهم في بعض البلاد الفقيرة في إفريقيا وآسيا، وثمن الأضحية فيها عادة أرخص، فقد يشتري المضحِّي بقرة بثمن خروف في بلاد الخليج.
5- الهَدْي في الحج
ومثل الأضحية: ما يهديه الحاجُّ والمعتمر إلى الكعبة في الحجِّ والعمرة، قال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36]، وقال سبحانه: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة:196].
6- الكفارات الواجبة على المسلمين
ومن ذلك: ما أوجبه الله على المسلمين من كفَّارات بمناسبة ارتكاب تقصير أو خطأ في عبادة ما، أو سلوك ما، مثل ما أُوجب على مَن حلف على يمين أن يفعل شيئا أو لا يفعل شيئا في المستقبل، ثم لم يفِ بما حلف عليه، فيحنث في يمينه، ويكفِّر عن ذلك بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، كما قال تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة:89].
ومن ذلك كفَّارة الظهار[3]: تحرير رقبة، فمَن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمَن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، كما في سورة المجادلة.
ومن ذلك كفَّارة مَن جامع زوجته في نهار رمضان.
ومن ذلك: كفَّارة مَن أفطر في رمضان لمرض مزمن أو لشيخوخة، أو المرأة لحمل أو رضاع، على ما روي عن ابن عباس، وبه فسَّر قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184].
إلى غير ذلك من الكفارات.
7- النفقات الواجبة للأقارب
ومن هذه المصادر: النفقات التي أوجبها الشرع على الأقارب الموسرين لكفالة أقاربهم المعسرين، بشروط متفاوتة بين المذاهب.
وبهذه النفقة تتحقَّق ماديًّا صِلة الرحم التي أمر الله تعالى بها، وشدَّد في الأمر بها، ورغَّب ورهَّب، ووعد وأوعد: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:23]، {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال:75].
وحقُّ النفقة ثابت يحرسه الإيمان من جهة، ويحرسه ضمير المجتمع المسلم من جهة ثانية، ويحرسه قانون الشرع من ناحية أخرى. فمن حقِّ الفقير المعسر أن يشكو قريبه الموسر إلى المحكمة الشرعية، فتُلزم الغني بالنفقة على قريبه الفقير بالمعروف.
8- الوصية قبل الموت
ومن هذه المصادر أيضا: ما يوصي به المسلم من ماله قبل موته، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:180].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أمولكم، زيادة لكم في أعمالكم"[4].
وعن سعد بن أبي وقاص قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتدَّ بي، فقلتُ: إني قد بلغ بي من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفاتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قلتُ: بالشَّطر؟ فقال: "لا". ثم قال: "الثلث، والثلث كبير - أو: كثير - إنك أن تَذَر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تتبغي بها وجه الله إلا أُجرتَ بها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك"[5].
وبهذا عُلم أن الوصية تكون في حدود الثلث، لا تزيد عليه، إلا إذا أجازها الورثة، فهذا حقُّهم. ولا تكون الوصية لوارث؛ لأن الوارث حدَّد الشرع نصيبه من تركة الميت.
وقد اعتاد أهل الخير في بلاد الخليج من الأثرياء وكبار التجار: أن يوصوا بالثلث أو ما دونه من أموالهم للفقراء وجهات الخير، ويتجمَّع من ذلك عشرات الملايين، بل مئات الملايين كلُّها موجَّهة لعمل الخير.
9- الصدقات التطوعية
ومن مصادر تمويل الخير: الصدقات الاختيارية، التي يتطوَّع بها المسلم، تقرُّبا إلى ربه، وابتغاء مرضاته، وطلبا لمثوبته ودخول جنَّته في الآخرة، ورجاء البركة والإخلاف في الدنيا.
وقد حفل القرآن الكريم، والسنة المطهَّرة بالنصوص الوفيرة، والمتكرِّرة، التي ترغِّب في الإنفاق في وجوه الخير، والصدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل، وتستخدم في ذلك أساليب من التشويق والإغراء والترغيب والترهيب: ما يحرِّك الأنفس الجامدة، ويبسط الأيدي الممسكة، ويحفز على التنافس في الصالحات، والاستباق في الخيرات.
لنقرأ في كتاب الله:
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة:245].
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:274].
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران:134].
{قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} [إبراهيم:31].
{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد:7].
{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سـبأ:39].
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].
{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً} [المزمل:20].
وأما الأحاديث النبوية فهي بحر زاخر، وحسبنا منها بعض ما أورده الإمام المنذري في الترغيب في الصدقة والحثِّ عليها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تصدَّق بعَدل تمرة من كسب طيِّب - ولا يقبل الله إلا الطيِّب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يُرَبِّيها لصاحبها كما يُرَبِّي أحدكم فَلُوَّه (مُهْره)، حتى تكون مثل الجبل"[6].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟". قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحبُّ إليه. قال: "فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر"[7].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل في فلاة من الأرض، فسمع صوتا في سحابة: اسقِ حديقة فلان. فتنحَّى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حَرَّة، فإذا شَرْجَة من تلك الشِّرَاج قد استوعبت ذلك الماء كلَّه، فتتبَّع الماء فإذا رجل قائم في حديقة يحوِّل الماء بمِسحَاته فقال: له يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة فقال: له يا عبد الله، لم سألتَني عن اسمي؟ قال: سمعتُ في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان. لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلتَ هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدَّق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأردُّ ثلثه"[8].
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما منكم من أحد إلا سيكلِّمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة"[9].
10- الصدقة عن الميت
ومن مصادر تمويل العمل الخيري كذلك: ما يتصدَّق به الحيُّ عن الميت، فعن أنس: أن سعدا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت ولم توصِ، أفينفعها أن أتصدَّق عنها؟ قال: "نعم، وعليك بالماء"[10].
والمراد بالماء: سقيه وإيصاله للمحتاجين إليه، بحفر بئر، أو بناء سبيل، أو بالسقاية ونحوها، وخصوصا في البيئات الصحراوية.
فهذه الصدقة عن الميت من أهله وأولاده، غير الصدقة الجارية التي يُخرجها الميت من ماله في حياته، وغير الوصية التي يُوصِي بها. وكلُّها تشكِّل موارد لتمويل العمل الخيري.
11- الصدقة الجارية (الوقف الخيري)
ومن مصادر تمويل العمل الخيري: الصدقة الجارية، أي الدائمة، التي تبقى للمسلم بعد موته، ويظلُّ أجرها محسوبا له ما دام هناك مَن ينتفع بها.
وفيها جاء الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: "إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"[11].
والصدقة الجارية: هي الدائمة المتجدِّدة، وتتمثَّل في الوقف الخيري، وهو ما يخرجه المسلم من ملكه الخاص، ليجعله لله تبارك وتعالى، أي للخير ومظانِّه، على التأبيد، فيحبِّس الأصل المملوك، ويجعل ثمرته لله.
عن ابن عمر، أن عمر أصاب أرضا من خيبر فقال: يا رسول الله، أصبتُ أرضا بخيبر لم أُصب مالا قط أنفس عندي منها، فما تأمرني؟ فقال: "إن شئتَ حبَّست أصلها، وتصدَّقت بها"، فتصدَّق بها عمر - على أن لا تباع، ولا توهب ولا تورث - في الفقراء وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متموِّل. وفي لفظ: غير متأثل[12].
وبهذا وضع الرسول صلى الله عليه وسلم الأساس الشرعي للوقف الخيري، الذي كان له أثره الملموس في المجتمع الإسلامي، في كلِّ العصور، والذي يعتبر من أبرز الأدلة على أصالة عواطف البرِّ، وعمق معاني الخير في نفوس المسلمين، فإنهم لم يَدَعوا حاجة من حاجات المجتمع إلا وقف عليها الخيِّرون منهم جزءا من أموالهم، حتى وقفوا على مَن يزور المرضى في مستشفياتهم ويؤنسهم، ومَن يكسر صحنه من الخدم ليأخذ بدله، حتى لا يؤنِّبه سيِّده أو سيِّدته!!
وقد كانت هذه الأوقاف من السَعَة والضخامة والتنوُّع بحيث صارت مفخرة للنظام الإسلامي، وأصبح الفقراء والمحرومون يجدون من (تكاياها): ما يقيهم الجوع والعري، ومن مستشفياتها المجانية: ما يعالجون به الأمراض والأوصاب، ومن (سُبُلها، ورُبُطها) ما يعينهم على الأسفار وقطع المفاوز والقفار.
ولقد تتبَّع المسلمون مواضع الحاجات مهما دقَّت وخفيت، فوقفوا لها، كما قلنا، حتى أنهم عيَّنوا أوقافا لعلاج الحيوانات المريضة، وأخرى لإطعام الكلاب الضالَّة، والقطط العمياء، فإذا كانت هذه نظرتهم للحيوان الأعجم، فكيف للإنسان المكرَّم؟
فلا عجب أن وجدنا أوقافا شتَّى لليتامى واللقطاء، والعميان، والمقعَدين، وسائر العجزة، وذوي العاهات من المحتاجين.
12- الفيء والخراج وموارد الدولة
ومن مصادر تمويل الخير: ما يرد على خزانة الدولة من الفيء والخراج وغيرهما، وكلُّ هذه الموارد فيها متَّسع للخير وأهله وأبوابه. وخصوصا ما يتعلَّق بسدِّ حاجات المساكين وأبناء السبيل واليتامى وغيرهم من ذوي العَوز والحاجة. فقد نصَّ عليهم نصًّا، ولم يكن استحقاقهم بمجرَّد اجتهاد من إمام.
قال تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر:7].
ومثل ذلك: موارد الدولة المختلفة، ومنها: ما تدرُّه أملاكها الزراعية والصناعية والمعدنية، ولا سيما (النفط) وما يدرُّه من ثروة هائلة.
فهذه الثروة كلُّها ملك الشعب، وتنفق في مصلحة الشعب، والحياة الطيِّبة للشعب، وتحقيق الأخوَّة والتكافل بين أبنائه، ومن ذلك فعل الخير وإشاعته بالنسبة للفئات الضعيفة والمحتاجة.
فلا يجوز للدول النفطية أن تنفق ثرواتها الطائلة ذات اليمين وذات الشمال، وتقبض يدها عن تمويل العمل الخيري، ولا سيما ما كان في شكل مؤسَّسات كبيرة، مثل المدارس والجامعات والمستشفيات ومراكز البحوث. وكذلك مؤسَّسات الضمان الاجتماعي، وتمويل مشروعات الخير، وجمعيات الخير والبرِّ بالضعفاء والمساكين.
إن بيت المال هو الموئل الأخير لكلِّ فقير وذي حاجة، ولكلِّ عمل خيري يفتقر إليه الناس، لأنه ملك الجميع، وليس ملكا لأمير أو فئة خاصة من الناس.
روى الشيخان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا أولى بكلِّ مسلم من نفسه، مَن ترك مالا فلورثته، ومَن ترك دينا أو ضَياعا - بفتح الضاد، أي أولاد صغارا ضائعين إذ لا مال لهم - فإليَّ وعليَّ "[13].
وهو يقول ذلك بوصفه إماما للمسلمين مسؤولا عنهم. وفي الحديث المتفق عليه: "الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته"[14].
وروى الإمام أحمد في مسنده، عن مالك بن أوس قال: كان عمر يحلف على أيمان ثلاثة:
1. والله ما أحد أحقُّ بهذا المال - يعني مال الفيء والمصالح العامة - من أحد، وما أنا بأحقَّ به من أحد.
2. ووالله ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا المال نصيب.
3. والله لئن بقيتُ لهم لأوتينَّ الراعي بجبل صنعاء حظَّه من هذا المال، وهو يرعى مكانه[15].
ففي هذا الأثر العُمَري دليل - كما قال الشوكاني[16] - على أن الإمام كسائر الناس، لا فضل له على غيره في تقديم، ولا توفير نصيب، كما يدلُّ على أن كلَّ إنسان في ظلِّ دولة الإسلام، مهما بعُد مكانه، وصغُر شأنه: يجب أن يدرك نصيبه من مال الجماعة، حسب حقِّه وحاجته.
13- الضرائب من أجل الخير
ومن موارد الخير: فرض الضرائب لهذا الغرض، إذا لم تكفِ الموارد الأخرى، أو لم توجد أصلا. فهنا يتدخَّل (أولو الأمر) بفرض حقوق في المال، لتحقيق أهداف الخير، التي يتطلَّبها المجتمع، مثل تعليم الأميين، وتشغيل العاطلين، وإيواء المشرَّدين، وعلاج المرضى، وكفاية الفقراء، وحضانة اليتامى، ورعاية الأرامل، وغير هؤلاء.
والشرع يجيز لولي الأمر أن يأخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجات الفقراء، كلٌّ بحسب قدرته المالية، ولا يجوز في مجتمع مسلم: أن يبيت بعضهم شبعان ممتلئ البطن، وجاره إلى جنبه جائع.
وأوضح العبارات في ذلك ما قاله الإمام ابن حزم في (المحلى): (وفرض على الأغنياء من أهل كلِّ بلد: أن يقوموا بفقرائهم, ويجبرهم السلطان على ذلك, إن لم تقُم الزكوات بهم, ولا فيء سائر أموال المسلمين, فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه, ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك, وبمسكن يكنُّهم من المطر, والصيف والشمس, وعيون المارة)[17].
وهو مقتضى (التكافل) الذي فرضه الإسلام على مجتمعاته بحكم الأخوَّة الإسلامية، بحيث يحمل القوي الضعيف، ويسند الغني الفقير، ويكون المجتمع كالأسرة الواحدة، بل كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تألَّم له سائر الأعضاء.



[1]- رواه البخاري في الزكاة (1400)، ومسلم في الإيمان (20)، وأبو داود في الزكاة (1556)، والترمذي في الإيمان (2607)، والنسائي في الزكاة (2443)، عن أبي هريرة.
[2]- يُقدَّر المسلمون في أنحاء العالم بنحو مليار ونصف المليار، ويُعتقد أن نحو 90% منهم يحرصون على إخراج زكاة الفطر، هب أن ألف مليون فقط هم الذين يحرصون على هذه الزكاة، وهي في المتوسط نحو دولارين، فمعنى هذا: أن لدينا حصيلة نحو ملياري دولار، يمكن الاتفاق على توزيع نصفها محليًّا للفقراء والمساكين، ويبقى النصف الآخر للأعمال الخيرية الكبيرة التي تسدُّ مسدًّا. وانظر: كتابنا (فقه الزكاة) (2/967) وما بعدها.
[3]- الظهار: أن يقول لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي. يريد تحريمها على نفسه.
[4]- رواه ابن ماجه في الوصايا (2709)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (2190)، وله شاهد من حديثي أبي الدرداء، ومعاذ.
[5]- متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (1295)، ومسلم في الوصية (1628)، وأبو داود (2864)، والترمذي (2116)، والنسائي (3626)، وابن ماجه (1708)، أربعتهم في الوصايا.
[6]- سبق تخريجه صـ11.
[7]- رواه البخاري في الرقاق (6442)، وأحمد في المسند (3626)، والنسائي في الوصايا (3612).
[8]- رواه مسلم في الزهد والرقائق (2984)، وأحمد في المسند (7941)، و(الحديقة): البستان إذا كان عليه حائط، و"الحَرَّة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: الأرض التي بها حجارة سود، و(الشَرْجة) بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء بعدها جيم وتاء تأنيث: مسيل الماء إلى الأرض السهلة، و(المسحاة) بالسين والحاء المهملتين: هي المجرفة من الحديد.
[9]- سبق تخريجه صـ68.
[10]- رواه الطبراني في الأوسط (8/91)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواته محتج بهم في الصحيح (3/335)، وكذا المنذري. انظر المنتقى (496).
[11]- رواه مسلم في الوصية (1631)، وأحمد في المسند (8844)، والترمذي في الأحكام (1376)، والنسائي في الوصايا (3651).
[12]- متفق عليه: رواه البخاري في الشروط (2737)، ومسلم في الوصية (1632)، وأحمد في المسند (4608)، وأبو داود في الوصايا (2878)، والترمذي في الأحكام (1375)، والنسائي في الأحباس (3599)، وابن ماجه في الصدقات (2396).
[13]- متفق عليه: رواه البخاري (6763)، ومسلم (1619)، كلاهما في الفرائض، وأحمد في المسند (7899).
[14]- متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (893)، ومسلم في الإمارة (1829)، وأحمد في المسند (4495)، وأبو داود في الخراج والإمارة (2928)، والترمذي في الجهاد (1705)، عن ابن عمر.
[15]- رواه أحمد في المسند (292)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف، وصححه الألباني في إرواء الغليل (5/83).
[16]- نيل الأوطار (8/79).
[17]- المحلى لابن حزم (6/452) المسألة (725).




المصدر فقه المصارف الإسلامية .
__________________
____________


مامن عظمة إلا وبها مسحة من الجفون !


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 09:33 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.

جميع الآراء المطروحة بالمنتدى لاتعبر بالضرورة عن رأي أصحاب ومالكي الموقع