المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة علماء الإقتصاد الإسلامي .


محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:30 AM
سلسلة علماء الإقتصاد الإسلامي .




القاضي أبو يوسف .




القاضي أبو يوسف هو الإمام المجتهد العلامة المحدث قاضي القضاة، أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن حبيش بن سعد بن بُجَير بن معاوية الأنصاري الكوفي. وسعد بن بجير له صحبة، وهو سعد ابن حبْتَة، وهي أمه، وهو بجلي من حلفاء الأنصار، شهد الخندق وغيرها. مولد أبي يوسف في سنة ثلاث عشرة ومائة
حدث عن: هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وأبي إسحاق الشيباني، وعبيد الله بن عمر، والأعمش، وحجاج بن أرطاة، وأبي حنيفه، ولزمه وتفقه به، وهو أنبل تلامذته، وأعلمهم، تخرج به أئمة كمحمد بن الحسن، ومعلى بن منصور، وهلال الرأي، وابن سماعة، وعدة
وحدث عنه: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، وأسد بن الفرات، وأحمد بن منيع، وعلى بن مسلم الطوسي، وعمرو بن أبي عمرو الحراني، وعمرو الناقد، وعدد كثير. وكان أبوه فقيرا، له حانوت ضعيف، فكان أبو حنيفة يتعاهد أبا يوسف. بالدراهم، مائة بعد مائة
فروى علي بن حرملة التيمي عنه، قال: كنت أطلب العلم وأنا مقل، فجاء أبي فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة، فأنت محتاج، فآثرت طاعة أبي، فأعطاني أبو حنيفة مائة درهم، وقال: الزم الحلقة، فإذا نفذت هذه، فأعلمني. ثم بعد أيام أعطاني مائة. ويقال: إنه رُبِّي يتيما، فأسلمته أمه قصارا
وعن محمد بن الحسن قال: مرض أبو يوسف، فعاده أبو حنيفة، فلما خرج، قال: إن يمت هذا الفتى، فهو أعلم مَنْ عليها. قال أحمد بن حنبل: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف وكان أميل إلى المحدثين من أبي حنيفة ومحمد. قال إبراهيم بن أبي داود البرلسي: سمعت ابن معين يقول: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصح رواية من أبي يوسف
وروى عباس، عن ابن معين: أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سنّة
وعن يحيى البرمكي قال: قدم أبو يوسف، وأقل ما فيه الفقه، وقد ملأ بفقهه الخافقين. قال أحمد: كان أبو يوسف منصفا في الحديث. وعن أبي يوسف قال: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة. وعن هلال الرأي قال: كان أبو يوسف يحفظ التفسير، ويحفظ المغازي، وأيام العرب، كان أحد علومه الفقه
وعن ابن سماعة قال: كان ورد أبي يوسف في اليوم مائتي ركعة
قال ابن المديني: ما أُخِذ على أبي يوسف إلا حديثه في الحجر، وكان صدوقا
قال يحيى بن يحيى التميمي: سمعت أبا يوسف عند وفاته يقول: كل ما أفتيت به فقد رجعت عنه إلا ما وافق الكتاب والسنة، وفي لفظ: إلا ما في القرآن، واجتمع عليه المسلمون
قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف: من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق، ومن تتبع غريب الحديث كذب. قال ابن عدي: لا بأس به. وقال النسائى في طبقات الحنفية: وأبو يوسف ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه
بكار بن قتيبة: سمعت أبا الوليد قال: لما قدم أبو يوسف البصرة مع الرشيد، اجتمع الفقهاء والمحدثون على بابه، فأشرف عليهم وقال: أنا من الفريقين جميعا، ولا أقدم فرقة على فرقة
قال: وكان قاضي الآفاق، ووزير الرشيد، وزميله في حجه.
محمد بن شجاع: حدثنا الحسن بن أبي مالك، سمعت أبا يوسف يقول: لا نصلي خلف من قال: القرآن مخلوق، ولا يفلح من استحلى شيئا من الكلام.
قلت: بلغ أبو يوسف من رئاسة العلم ما لا مزيد عليه، وكان الرشيد يبالغ في إجلاله.
قال محمد بن سعدان: حدثنا أبو سليمان الجوزجاني، سمعت أبا يوسف يقول: دخلت على الرشيد وفي يده درتان يقلبهما، فقال: هل رأيت أحسن منهما ؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين. قال: وما هو ؟ قلت: الوعاء الذي هما فيه. فرمى بهما إليّ، وقال: شأنك بهما.
قال بشر بن الوليد: توفي أبو يوسف يوم الخميس خامس ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة.
وقال غيره: مات في غرة ربيع الآخر، وعاش تسعا وستين سنة. وقد أفردت له ترجمة في كراس.
وما أنبل قوله الذي رواه جماعة عن بشر بن الوليد، سمعت أبا يوسف يقول: العلم بالخصومة والكلام جهل. والجهل بالخصومة والكلام علم.
قلت: مثاله شُبَهٌ وإشكالات من نتائج أفكار أهل الكلام، تورد في الجدال على آيات الصفات وأحاديثها، فيكفِّر هذا هذا، وينشأ الاعتزال والتجهم والتجسيم، وكل بلاء.


نسأل الله العافية.



يتبع .....

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:33 AM
أبو حامد الغزالي .







الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط.



تفقه ببلده أولا، ثم تحول إلى نيسابور في مرافقة جماعة من الطلبة، فلازم إمام الحرمين، فبرع في الفقه في مدة قريبة، ومهر في الكلام والجدل، حتى صار عين المناظرين، وأعاد للطلبة، وشرع في التصنيف، فما أعجب ذلك شيخه أبا المعالي، ولكنه مظهر للتبجح به، ثم سار أبو حامد إلى المخيم السلطاني، فأقبل عليه نظام الملك الوزير، و سُرَّ بوجوده، وناظر الكبار بحضرته، فانبهر له، وشاع أمره، فولاه النظام تدريس نظامية بغداد، فقدمها بعد الثمانين وأربع مائة، وسنه نحو الثلاثين، وأخذ في تأليف الأصول والفقه والكلام والحكمة، وأدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام، ومَزَالِّ الأقدام، ولله سر في خلقه.
وعظم جاه الرجل، وازدادت حشمته بحيث إنه في دست أمير، وفي رتبة رئيس كبير، فأداه نظره في العلوم وممارسته لأفانين الزهديات إلى رفض الرئاسة، والإنابة إلى دار الخلود، والتأله، والإخلاص، وإصلاح النفس، فحج من وقته، وزار بيت المقدس، وصحب الفقيه نصر بن إبراهيم بدمشق، وأقام مدة، وألف كتاب "الإحياء"، وكتاب "الأربعين"، وكتاب "القسطاس"، وكتاب "محك النظر".
وراض نفسه وجاهدها، وطرد شيطان الرعونة، ولبس زي الأتقياء، ثم بعد سنوات سار إلى وطنه، لازما لسننه، حافظا لوقته، مكبا على العلم
ولما وزر فخر الملك، حضر أبا حامد، والتمس منه أن لا يبقى أنفاسه عقيمة، وألح على الشيخ، إلى أن لان إلى القدوم إلى نيسابور، فدرس بنظاميتها
فذكر هذا وأضعافه عبد الغافر في "السياق"، إلى أن قال: ولقد زرته مرارا، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته عليه من الزعارة والنظر إلى الناس بعين الاستخفاف كبرا وخيلاء، واعتزازا بما رزق من البسطة، والنطق، والذهن، وطلب العلو ; أنه صار على الضد، وتصفى عن تلك الكدورات، وكنت أظنه متلفعا بجلباب التكلف، متنمسا بما صار إليه، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الأمر على خلاف المظنون، وأن الرجل أفاق بعد الجنون، وحكى لنا في ليال كيفية أحواله من ابتداء ما أظهر له طريق التأله، وغلبة الحال عليه بعد تبحره في العلوم، واستطالته على الكل بكلامه، والاستعداد الذي خصـه الله به في تحصيل أنواع العلوم، وتمكنه من البحث والنظر، حتى تَبَرَّمَ بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة، وتفكر في العاقبة، وما يبقى في الآخرة، فابتدأ بصحبة الشيخ أبي علي الفارمذي فأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يأمره به من العبادات والنوافل والأذكار والاجتهاد طلبا للنجاة، إلى أن جاز تلك العِقَاب، وتكلف تلك المشاق، وما حصل على ما كان يرومه.
ثم حكى أنه راجـع العلوم، وخـاض في الفنون الدقيقة، والتقى بأربابها حتى تفتحت له أبوابها، وبقي مدة في الوقائع وتكافؤ الأدلة، وفتح عليه باب من الخوف بحيث شغله عن كل شيء، وحمله على الإعراض عما سواه، حتى سهل ذلك عليه، إلى أن ارتاض، وظهرت له الحقائق، وصار ما كنا نظن به ناموسا وتخلقا، طبعا وتحققا، وأن ذلك أثر السعادة المقدرة له.
ثم سألناه عن كيفية رغبته في الخروج من بيته، والرجوع إلى ما دعي إليه، فقال معتذرا: ما كنت أجوز في ديني أن أقف عن الدعوة، ومنفعة الطالبين، وقد خف علي أن أبوح بالحق، وأنطق به، وأدعو إليه، وكان صادقا في ذلك، فلما خف أمر الوزير، وعلم أن وقوفه على ما كان فيه ظهور وحشة وخيال طلب جاه، ترك ذلك قبل أن يترك، وعاد إلى بيته، واتخذ في جواره مدرسة للطلبة، وخانقاه للصوفية، ووزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن، ومجالسة ذوي القلوب، والقعود للتدريس، حتى توفي بعد مقاساة لأنواع من القصد، والمناوأة من الخصوم، والسعي فيه إلى الملوك، وحفظ الله له عن نوش أيدي النكبات.
إلى أن قال: وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث، ومجالسة أهله، ومطالعة "الصحيحين" ولو عاش، لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام. قال: ولم يتفق له أن يروي، ولم يعقب إلا البنات، وكان له من الأسباب إرثا وكسبا ما يقوم بكفايته، وقد عرضت عليه أموال، فما قبلها.
قال: ومما كان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو في أثناء كلامه، وروجع فيه، فأنصف، واعترف أنه ما مارسه، واكتفى بما كان يحتاج إليه في كلامه، مع أنه كان يؤلف الخطب، يشرح الكتب بالعبارة التي يعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها
ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب "كيمياء السعادة والعلوم" وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا توافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الملة، وكان الأولى به - والحق أحق ما يقال - ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئا من ذلك، تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل، على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه، علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع، وإن لم يبح به، ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة مرموزة، ومصرحا بها متفرقة، وليس لفظ منه إلا وكما تشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة فلا يجب حمله إذا إلا على ما يوافق، ولا ينبغي التعلق به في الرد عليه إذا أمكن، وكان الأولى به أن يترك الإفصاح بذلك، وقد سمعت أنه سمع سنن أبي داود من القاضي أبي الفتح الحاكمي الطوسي وسمع من محمد بن أحمد الخواري والد عبد الجبار كتاب " المولد " لابن أبي عاصم بسماعه من أبي بكر بن الحارث عن أبي الشيخ عنه.
قلت: ما نقمه عبد الغافر على أبي حامد في الكيمياء، فله أمثاله في غضون تواليفه، حتى قال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأَهم، فما استطاع.
ومن معجم أبي علي الصدفي، تأليف القاضي عياض له، قال: والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، فامْتُثِلَ ذلك. مولده سنة خمسين وأربع مائة
قلت: ما زال العلماء يختلفون، ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكل منهم معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع، فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور
ولأبي المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في كتاب "رياض الأفهام" في مناقب أهل البيت قال: ذكر أبو حامد في كتابه " سر العالَمَيْن وكشف ما في الدارين " فقال في حديث: من كنت مولاه، فعلي مولاه أن عمر قال لعلي: بَخٍ بَخٍ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضي، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى حبا للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة ونهيها، فحملهم على الخلاف، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون، وسرد كثيرا من هذا الكلام الفَسْل الذي تزعمه الإمامية، وما أدري ما عذره في هذا ؟ والظاهر أنه رجع عنه، وتبع الحق، فإن الرجل من بحور العلم، والله أعلم.
هذا إن لم يكن هذا وضع هذا وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايا لا تتطبب، وقال في أوله: إنه قرأه عليه محمد بن تومرت المغربي سرا بالنظامية. قال: وتوسمت فيه الملك.
قلت: قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب " التهافت "، وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب " رسائل إخوان الصفا " وهو داء عضال، وجَرَبٌ مُرْد، وسُمٌّ قَتَّال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف
فالحِذَارَ الحِذَارَ من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحَيْرَة، فمن رام النجاة والفوز، فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له وينجو إن شاء الله
وقال أبو عمرو بن الصلاح: فصل لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد: ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ، منها قوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به، فلا ثقة له بمعلوم أصلا. قال: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأساً .





يتبع ........

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:35 AM
فأما كتاب "المضنون به على غير أهله" فمعاذ الله أن يكون له، شاهدت على نسخة به بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري أنه موضوع على الغزالي، وأنه مخترع من كتاب " مقاصد الفلاسفة "، وقد نقضه الرجل بكتاب " التهافت"
وقال أحمد بن صالح الجيلي في " تاريخه ": أبو حامد لقب بالغزالي، برع في الفقه، وكان له ذكاء وفطنة وتصرف، وقدرة على إنشاء الكلام، وتأليف المعاني، ودخل في علوم الأوائل.
إلى أن قال: وغلب عليه استعمال عباراتهم في كتبه، واستدعي لتدريس النظامية ببغداد في سنة أربع وثمانين، وبقي إلى أن غلبت عليه الخلوة، وترك التدريس، ولبس الثياب الخشنة، وتقلل في مطعومه.
إلى أن قال: وجاور بالقدس، وشرع في " الإحياء " هناك - أعني بدمشق - وحج وزار، ورجع إلى بغداد، وسمع منه كتابه " الإحياء "، وغيره، فقد حدث بها إذا، ثم سرد تصانيفه.
وقد رأيت كتاب " الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء " للمازري، أوله: الحمد لله الذي أنار الحق وأداله، وأبار الباطل وأزاله، ثم أورد المازري أشياء مما نقده على أبي حامد، يقول: ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكا الإمام يهرب من التحديد، ويجانب أن يرسم رسما، وإن كان فيه أثر ما، أو قياس ما، تورعا وتحفظا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم لفق فيه الثابت بغير الثابت، وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل، كقوله: إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن وكقوله: إن السماوات على إصبع وكقوله: لأحرقت سبحات وجهه وكقوله: يضحك الله إلى غير ذلك من الأحاديث الوارد ظاهرها بما أحاله العقل
إلى أن قال: فإذا كانت العصمة غير مقطوع بها في حق الولي، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه، إلا أن يثبت، وتدعو ضرورة إلى نقله، فيتأول
إلى أن قال: ألا ترى لو أن مصنفا أخذ يحكي عن بعض الحشوية مذهبه في قدم الصوت والحرف، وقدم الورق، لما حسن به أن يقول: قال بعض المحققين: إن القارئ إذا قرأ كتاب الله، عاد القارئ في نفسه قديما بعد أن كان محدثا، أو قال بعض الحذاق: إن الله محل للحوادث، إذا أخذ في حكاية مذهب الكرامية
وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن حمدين القرطبي: إن بعض من يعظ ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثم تبرأ منه شغفا بالشرعة الغزالية، والنحلة الصوفية، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم، فأين هو من شنع مناكيره، ومضاليل أساطيره المباينة للدين ؟ ! وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية الذي لا يسفر عن قناعه، ولا يفوز باطلاعه إلا من تمطى إليه ثبج ضلالته التي رفع لهم أعلامها، وشرع أحكامها. قال أبو حامد: وأدنى النصيب من هذا العلم التصديق به، وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئا، فاعرض قوله على قوله، ولا يشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جبته، والتدثر بكسائه، فيسمع نداء الحق، فهو يقول: ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا ما آمركم به، ثم إن هذا القاضي أقذع، وسب، وكفر، وأسرف، نعوذ بالله من الهوى
وقال أبو حامد: وصدور الأحرار قبول الأسرار، ومن أفشى سر الربوبية، كفر، ورأى قتل مثل الحلاج خيرا من إحياء عشرة لإطلاقه ألفاظا، ونقل عن بعضهم قال: للربوبية سر لو ظهر، لبطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف، لبطل العلم، وللعلم سر لو كشف، لبطلت الأحكام
قلت: سر العلم قد كشف لصوفة أشقياء، فحلوا النظام، وبطل لديهم الحلال والحرام.
قال ابن حمدين: ثم قال الغزالي: والقائل بهذا، إن لم يرد إبطال النبوة في حق الضعفاء، فما قال ليس بحق، فإن الصحيح لا يتناقض، وإن الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه .....

وقال الغزالي في العارف: فتتجلى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرموزة المحجوبة عن الخلق، فيعرف معنى النبوة، وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة التي نحن منها على ظاهر لا على حقيقة.
وقال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية، قلت: صديقا، وإذا رأيته في النهاية، قلت: زنديقا، ثم فسره الغزالي، فقال: إذ اسم الزنديق لا يلصق إلا بمعطل الفرائض لا بمعطل النوافل. وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فيجلس فارغ القلب، مجموع الهم يقول: الله الله الله على الدوام، فليفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث. قال: فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة في بيت مظلم، وتدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ و يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ.
قلت: سيد الخلق إنما سمع يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ من جبريل عن الله، وهذا الأحمق لم يسمع نداء الحق أبدا، بل سمع شيطانا، أو سمع شيئا لا حقيقة من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالسنة والإجماع.
قال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد " الإحياء " بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض أكثر كذبا منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة، ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق
قال ابن عساكر حج أبو حامد وأقام بالشام نحوا من عشر سنين، وصنف، وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه بدمشق في المنارة الغربية من الجامع، سمع " صحيح البخاري " من أبي سهل الحفصي، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين.
وقال ابن خلكان: بعثه النظام على مدرسته ببغداد في سنة أربع وثمانين، وتركها في سنة ثمان وثمانين، وتزهد، وحج، وأقام بدمشق مدة بالزاوية الغربية، ثم انتقل إلى بيت المقدس وتعبد، ثم قصد مصر، وأقام مدة بالإسكندرية، فقيل: عزم على المضي إلى يوسف بن تاشفين سلطان مراكش، فبلغه نعيه، ثم عاد إلى طوس، وصنف "البسيط" و "الوسيط" و "الوجيز" و "الخلاصة" و "الإحياء "، وألف "المستصفى" في أصول الفقه، و "المنخول" و "اللباب" و " المنتحل في الجدل" و "تهافت الفلاسفة" و "محك النظر" و "معيار العلم" و "شرح الأسماء الحسنى" و "مشكاة الأنوار" و "المنقذ من الضلال" و "حقيقة القولين" وأشياء
قال ابن النجار: أبو حامد إمام الفقهاء على الإطلاق، ورباني الأمة بالاتفاق، ومجتهد زمانه، وعين أوانه، برع في المذهب والأصول والخلاف والجدل والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وفهم كلامهم، وتصدى للرد عليهم، وكان شديد الذكاء، قوي الإدراك، ذا فطنة ثاقبة، وغوص على المعاني، حتى قيل: إنه ألف " المنخول "، فرآه أبو المعالي، فقال: دفنتني وأنا حي، فهلا صبرت الآن، كتابك غطى على كتابي
ثم روى ابن النجار بسنده أن والد أبي حامد كان يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، فأوصى بولديه محمد وأحمد إلى صديق له صوفي صالح، فعلمهما الخط، وفني ما خلف لهما أبوهما، وتعذر عليهما القوت، فقال: أرى لكما أن تلجآ إلى المدرسة كأنكما طالبان للفقه عسى يحصل لكما قوت، ففعلا ذلك
قال أبو العباس أحمد الخطيبي: كنت في حلقة الغزالي، فقال: مات أبي، وخلف لي ولأخي مقدارا يسيرا ففني بحيث تعذر علينا القوت، فصرنا إلى مدرسة نطلب الفقه، ليس المراد سوى تحصيل القوت، فكان تعلمنا لذلك، لا لله، فأبى أن يكون إلا لله
قال أسعد الميهني: سمعت أبا حامد يقول: هاجرت إلى أبي نصر الإسماعيلي بجرجان، فأقمت إلى أن أخذت عنه التعليقة
قال عبد الله بن علي الأشيري سمعت عبد المؤمن بن علي القيسي، سمعت أبا عبد الله بن تومرت يقول: أبو حامد الغزالي قرع الباب وفتح لنا
قال ابن النجار: بلغني أن إمام الحرمين قال: الغزالي بحر مغرق، وإِلْكِيَا أسد مطرق والخوافي نار تحرق.
قال أبو محمد العثماني وغيره: سمعنا محمد بن يحيى العبدري المؤدب يقول: رأيت بالإسكندرية سنة خمس مائة كأن الشمس طلعت من مغربها، فعبره لي عابر ببدعة تحدث فيهم، فبعد أيام وصل الخبر بإحراق كتب الغزالي من المرية
وفي التوكل من " الإحياء" ما نصه: وكل ما قسم الله بين عباده من رزق وأجل، وإيمان وكفر، فكله عدل محض، ليس في الإمكان أصلا أحسن ولا أتم منه، ولو كان وادخره تعالى مع القدرة ولم يفعله، لكان بخلا وظلما.





يتبع .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:37 AM
قال أبو بكر بن العربي في " شرح الأسماء الحسنى ": قال شيخنا أبو حامد قولا عظيما انتقده عليه العلماء، فقال: وليس في قدرة الله أبدع من هذا العالم في الإتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع أو أحكم منه ولم يفعله، لكان ذلك منه قضاء للجود، وذلك محال. ثم قال: والجواب أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة ونفي النهاية عن تقدير المقدورات المتعلقة ‎بها، ولكن في تفاصيل هذا العالم المخلوق، لا في سواه، وهذا رأي فلسفي قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق، ونسبت الإتقان إلى الحياة مثلا، والوجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيل إلى الصواب، وأجمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إن المقدورات لا نهاية لها لكل مقدر الوجود، لا لكل حاصل الوجود، إذ القدرة صالحة، ثم قال: وهذه وَهْلَة لا لَعًا لها ومزلة لا تماسك فيها، ونحن وإن كنا نقطة من بحره، فإنا لا نرد عليه إلا بقوله
قلت: كذا فليكن الرد بأدب وسكينة
ومما أخذ عليه قال: إن للقدر سرا نهينا عن إفشائه، فأي سر للقدر ؟ فإن كان مدركا بالنظر، وصل إليه ولا بد، وإن كان مدركا بالخبر، فما ثبت فيه شيء، وإن كان يدرك بالحال والعرفان، فهذه دعوى محضة، فلعله عنى بإفشائه أن نعمق في القدر، ونبحث فيه
أخبرنا محمد بن عبد الكريم أخبرنا أبو الحسن السخاوي، أخبرنا حطلبا بن قمرية الصوفي، أخبرنا سعد بن أحمد الإسفراييني بقراءتي، أخبرنا أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الطوسي قال: اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات، وترك المناهي هو الأشد، والطاعات يقدر عليها كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليها إلا الصديقون، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: المهاجر من هجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه
وقال أبو عامر العبدري: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القادر الطوسي يحلف بالله أنه أبصر في نومه كأنه ينظر في كتب الغزالي رحمه الله، فإذا هي كلها تصاوير.




قلت: الغزالي إمام كبير، وما من شرط العالم أنه لا يخطئ.



وقال محمد بن الوليد الطرطوشي في رسالة له إلى ابن مظفر: فأما ما ذكرت من أبي حامد، فقد رأيته، وكلمته، فرأيته جليلا من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريق العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصوف، وهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة، ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كاد أن ينسلخ من الدين، فلما عمل " الإحياء "، عمد يتكلم في علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات
قلت: أما " الإحياء " ففيه من الأحاديث الباطلة جملة وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعا، تدري ما العلم النافع ؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، ولم يأت نهي عنه، قال عليه السلام: من رغب عن سنتي، فليس مني فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في " الصحيحين "، وسنن النسائي، ورياض النواوي وأذكاره، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رءوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله، اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم
نعم، وللإمام محمد بن علي المازري الصقلي كلام على " الإحياء" يدل على إمامته، يقول: وقد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بـ " إحياء علوم الدين"، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت وتعصبت لإشهاره، وطائفة حذرت منه ونفرت، وطائفة لكتبه أحرقت، وكاتبني أهل المشرق أيضا يسألوني، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب سوى نُبذٍ منه، فإن نفس الله في العمر، مددت فيه الأنفاس، وأزلت عن القلوب الالتباس: اعلموا أن هذا رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعا من حاله ما قام مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حاله، وحال كتابه، وذكر جمل من مذاهب الموحدين والمتصوفة، وأصحاب الإشارات، والفلاسفة، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق
ثم إن المازري أثنى على أبي حامد في الفقه، وقال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين، فإنه صنف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول، فأكسبته الفلسفة جرأة على المعاني، وتسهلا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، لا يزعها شرع، وعرفني صاحب له أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة، ألفها من قد خاض في علم الشرع والنقل، وفي الحكمة، فمزج بين العلمين، وقد كان رجل يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده، حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملا من دواوينه، ووجدت أبا حامد يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من علوم الفلسفة.




يتبع .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:41 AM
وأما مذاهب الصوفية، فلا أدري على من عول فيها، لكني رأيت فيما علق بعض أصحابه أنه ذكر كتب ابن سينا وما فيها، وذكر بعد ذلك كتب أبي حيان التوحيدي، وعندي أنه عليه عول في مذهب التصوف، وأخبرت أن أبا حيان ألف ديوانا عظيما في هذا الفن، وفي " الإحياء " من الواهيات كثير
قال: وعادة المتورعين أن لا يقولوا: قال مالك، " قال الشافعي "، فيما لم يثبت عندهم.



ثم قال: ويستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، كقص الأظفار أن يبدأ بالسبابة، لأن لها الفضل على باقي الأصابع، لأنها المسبحة، ثم قص ما يليها من الوسطى، لأنها ناحية اليمين، ويختم بإبهام اليمنى، وروى في ذلك أثرا
قلت: هو أثر موضوع
ثم قال: وقال: من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن البارئ قديم، مات مسلما إجماعا. قال: فمن تساهل في حكاية الإجماع في مثل هذا الذي الأقرب أن يكون الإجماع في خلافه، فحقيق أن لا يوثق بما روى، ورأيت له في الجزء الأول يقول: إن في علومه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب، فليت شعري أحق هو أو باطل ؟ ! فإن كان باطلا، فصدق، وإن كان حقا، وهو مراده بلا شك، فلم لا يودع في الكتب، ألغموضه ودقته ؟ ! فإن كان هو فهمه، فما المانع أن يفهمه غيره ؟ !. قال أبو الفرج ابن الجوزي: صنف أبو حامد " الإحياء "، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه، وقال: إن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم، أنوار هي حجب الله عز وجل، ولم يرد هذه المعروفات، وهذا من جنس كلام الباطنية، وقد رد ابن الجوزي على أبي حامد في كتاب " الإحياء "، وبين خطأه في مجلدات، سماه كتاب الإحياء
ولأبي الحسن بن سكر رد على الغزالي في مجلد سماه: " إحياء ميت الأحياء في الرد على كتاب الإحياء
قلت: ما زال الأئمة يخالف بعضهم بعضا، ويرد هذا على هذا، ولسنا ممن يذم العالم بالهوى والجهل
نعم، وللإمام كتاب " كيمياء السعادة "، وكتاب " المعتقد "، وكتاب " إلجام العوام "، وكتاب " الرد على الباطنية "، وكتاب " معتقد الأوائل "، وكتاب " جواهر القرآن "، وكتاب " الغاية القصوى "، وكتاب " فضائح الإباحية " و " مسألة عوز الدور "، وغير ذلك
قال عبد الغافر الفارسي: توفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمس مائة وله خمس وخمسون سنة، ودفن بمقبرة الطابران قصبة بلاد طوس، وقولهم: الغزالي، والعطاري، والخبازي، نسبة إلى الصنائع بلسان العجم، بجمع ياء النسبة والصيغة.




وللغزالي أخ واعظ مشهور، وهو أبو الفتوح أحمد، له قبول عظيم في الوعظ، يُزَنُّ برقة الدين وبالإباحة، بقي إلى حدود العشرين وخمس مائة، وقد ناب عن أخيه في تدريس النظامية ببغداد لما حج مديدة
قرأت بخط النواوي رحمه الله: قال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: وقد سئل: لم سمي الغزالي بذلك، فقال: حدثني من أثق به، عن أبي الحرم الماكسي الأديب، حدثنا أبو الثناء محمود الفرضي، قال: حدثنا تاج الإسلام ابن خميس، قال لي الغزالي: الناس يقولون لي الغزالي، ولست الغزالي، وإنما أنا الغزالي منسوب إلى قرية يقال لها: غزالة، أو كما قال
وفي أواخر " المنخول " للغزالي كلام فج في إمام لا أرى نقله هنا
ومن عقيدة أبي حامد رحمه الله تعالى أولها: الحمد لله الذي تعَرَّف إلى عباده بكتابه المنزل على لسان نبيه المرسل، بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، لم يزل ولا يزال منعوتا بنعوت الجلال، ولا تحيط به الجهات، ولا تكنفه السماوات، وأنه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، وهو فوق كل شيء إلى التخوم، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، لا يماثل قربه قرب الأجسام، كان قبل خلق المكان والزمان، وهو الآن على ما كان عليه، وأنه بائن بصفاته من خلقه، ما في ذاته سواه، ولا في سواه ذاته، مقدس عن التغير والانتقال، لا تحله الحوادث، وأنه مرئي الذات بالأبصار في دار القرار، إتماما للنعم بالنظر إلى وجهه الكريم
إلى أن قال: ويدرك حركة الذر في الهواء، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر، ولا فلتة خاطر، وأن القرآن مقروء بالألسنة، محفوظ في القلوب، مكتوب في المصاحف، وأنه مع ذلك قائم بذات الله، لا يقبل الانفصال بالانتقال إلى القلوب والصحف، وأن موسى سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف كما ترى ذاته من غير شكل ولا لون، وأنه يفرق بالموت بين الأرواح والأجسام، ثم يعيدها إليها عند الحشر، فيبعث من في القبور
ميزان الأعمال معيار يعبر عنه بالميزان، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الجسم الثقيل، كميزان الشمس، وكالمسطرة التي هي ميزان السطور، وكالعروض ميزان الشعر
قلت: بل ميزان الأعمال له كفتان، كما جاء في " الصحيح " وهذا المعتقد غالبه صحيح، وفيه ما لم أفهمه، وبعضه فيه نزاع بين أهل المذاهب، ويكفي المسلم في الإيمان أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والبعث بعد الموت، وأن الله ليس كمثله شيء أصلا، وأن ما ورد من صفاته المقدسة حق، يمر كما جاء، وأن القرآن كلام الله وتنزيله، وأنه غير مخلوق، إلى أمثال ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ولا عبرة بمن شذ منهم، فإن اختلفت الأمة في شيء من مشكل أصول دينهم، لزمنا فيه الصمت، وفوضناه إلى الله، وقلنا: الله ورسوله أعلم، ووسعنا فيه السكوت. فرحم الله الإمام أبا حامد، فأين مثله في علومه وفضائله، ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ، ولا تقليد في الأصول .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:43 AM
الشيخ تقي الدين ابن الصلاح الشافعي .





ابن الصلاح ابن الصلاح الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي، صاحب "علوم الحديث"




مولده في سنة سبع وسبعين وخمس مائة
وتفقه على والده بشهرزور، ثم اشتغل بالموصل مدة، وسمع من عبيد الله ابن السمين، ونصر بن سلامة الهيتي، ومحمود بن علي الموصلي، وأبي المظفر بن البرني، وعبد المحسن ابن الطوسي، وعدة، بالموصل. من أبي أحمد ابن سكينة، وأبي حفص بن طبرزذ وطبقتهما ببغداد، ومن أبي الفضل بن المعزم بهمذان، ومن أبي الفتح منصور بن عبد المنعم ابن الفراوي، والمؤيد بن محمد بن علي الطوسي، وزينب بنت أبي القاسم الشعرية، والقاسم بن أبي سعد الصفار، ومحمد بن الحسن الصرام، وأبي المعالي بن ناصر الأنصاري، وأبي النجيب إسماعيل القارئ، وطائفة بنيسابور. ومن أبي المظفر ابن السمعاني بمرو، ومن أبي محمد ابن الأستاذ وغيره بحلب، ومن الإمامين فخر الدين ابن عساكر وموفق الدين ابن قدامة وعدة بدمشق، ومن الحافظ عبد القادر الرهاوي بحران
نعم، وبدمشق أيضا من القاضي أبي القاسم عبد الصمد بن محمد بن الحرستاني، ثم درس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس مديدة، فلما أمر المعظم بهدم سور المدينة نزح إلى دمشق فدرس بالرواحية مدة عندما أنشأها الواقف، فلما أنشئت الدار الأشرفية صار شيخها، ثم ولي تدريس الشامية الصغرى
وأشغل، وأفتى، وجمع وألف، تخرج به الأصحاب، وكان من كبار الأئمة.




حدث عنه الإمام شمس الدين ابن نوح المقدسي والإمام كمال الدين سلار، والإمام كمال الدين إسحاق، والقاضي تقي الدين بن رزين، وتفقهوا به. وروى عنه أيضا العلامة تاج الدين عبد الرحمن، وأخوه الخطيب شرف الدين، ومجد الدين ابن المهتار، وفخر الدين عمر الكرجي، والقاضي شهاب الدين ابن الخويي، والمحدث عبد الله بن يحيى الجزائري، والمفتي جمال الدين محمد بن أحمد الشريشي، والمفتي فخر الدين عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي، وناصر الدين محمد بن عربشاه، ومحمد بن أبي الذكر، والشيخ أحمد بن عبد الرحمن الشهرزوري الناسخ، وكمال الدين أحمد بن أبي الفتح الشيباني، والشهاب محمد بن مشرف، والصدر محمد بن حسن الأرموي، والشرف محمد ابن خطيب بيت الأبار، وناصر الدين محمد ابن المجد بن المهتار، والقاضي أحمد بن علي الجيلي، والشهاب أحمد ابن العفيف الحنفي، وآخرون
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان بلغني أنه كرر على جميع " المهذب " قبل أن يطر شاربه، ثم أنه صار معيدا عند العلامة عماد الدين بن يونس. وكان تقي الدين أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه، وله مشاركة في عدة فنون، وكانت فتاويه مسددة، وهو أحد شيوخي الذين انتفعت بهم، أقمت عنده للاشتغال، ولازمته سنة، وهي سنة اثنتين وثلاثين، وله إشكالات على " الوسيط "
وذكره المحدث عمر بن الحاجب في " معجمه " فقال: إمام ورع، وافر العقل، حسن السمت، متبحر في الأصول والفروع، بالغ في الطلب حتى صار يضرب به المثل، وأجهد نفسه في الطاعة والعبادة
قلت: كان ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، وفصاحة، وعلم نافع، وكان متين الديانة، سلفي الجملة، صحيح النحلة، كافا عن الخوض في مزلات الأقدام، مؤمنا بالله، وبما جاء عن الله من أسمائه ونعوته، حسن البزة، وافر الحرمة، معظما عند السلطان، وقد سمع الكثير بمرو من محمد بن إسماعيل الموسوي، وأبي جعفر محمد بن محمد السنجي، ومحمد بن عمر المسعودي، وكان قدومه دمشق في حدود سنة ثلاث عشرة بعد أن فرغ من خراسان والعراق والجزيرة. وكان مع تبحره في الفقه مجودا لما ينقله، قوي المادة من اللغة والعربية، متفننا في الحديث متصونا، مكبا على العلم، عديم النظير في زمانه، وله مسألة ليست من قواعده شذ فيها وهي صلاة الرغائب قواها ونصرها مع أن حديثها باطل بلا تردد، ولكن له إصابات وفضائل
ومن فتاويه أنه سئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة فأجاب: الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف، عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها، قارنة الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: واستعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من المنكرات المستبشعة، والرقاعات المستحدثة، وليس بالأحكام الشرعية ـ ولله الحمد ـ افتقار إلى المنطق أصلا، هو قعاقع قد أغني الله عنها كل صحيح الذهن، فالواجب على السلطان أعزه الله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم، ويخرجهم من المدارس ويبعدهم
توفي الشيخ تقي الدين ـ رحمه الله ـ في سنة الخوارزمية في سَحَر يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وست مائة وحمل على الرءوس، وازدحم الخلق على سريره، وكان على جنازته هيبة وخشوع، فصلي عليه بجامع دمشق، وشيعوه إلى داخل باب الفرج فصلوا عليه بداخله ثاني مرة، ورجع الناس لمكان حصار دمشق بالخوارزمية وبعسكر الملك الصالح نجم الدين أيوب لعمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فخرج بنعشه نحو العشرة مشمرين، ودفنوه بمقابر الصوفية ! وقبره ظاهر يزار في طرف المقبرة من غربيها على الطريق، وعاش ستا وستين سنة
وقد سمع منه " علوم الحديث " له الشيخ تاج الدين وأخوه، والفخر الكرجي، والزين الفارقي، والمجد ابن المهتار، والمجد ابن الظهير، وظهير الدين محمود الزنجاني، وابن عربشاه، والفخر البعلي، والشريشي، والجزائري، ومحمد ابن الخرقي، ومحمد بن أبي الذكر، وابن الخويي، والشيخ أحمد الشهرزوري، والصدر الأرموي، والصدر خطيب بعلبك، والعماد محمد ابن الصائغ، والكمال ابن العطار، وأبو اليمن ابن عساكر، وعثمان بن عمر المعدل، وكلهم أجازوا لي سوى الأول.

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:46 AM
أبو الحسن علي بن محمد الماوردي





((الماوردي)) .




الإمام العلامة، أقضى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري، الماوردي، الشافعي، صاحب التصانيف
حدث عن: الحسن بن علي الجبلي صاحب أبي خليفة الجمحي. وعن محمد بن عدي المنقري، ومحمد بن معلى، وجعفر بن محمد بن الفضل
حدث عنه: أبو بكر -صلى الله عليه وسلم- الخطيب، ووثقه، وقال مات في ربيع الأول سنة خمسين وأربع مائة وقد بلغ ستا وثمانين سنة، وولي القضاء ببلدان شتى، ثم سكن بغداد.
قال أبو إسحاق في "الطبقات" ومنهم أقضى القضاة الماوردي، تفقه على أبي القاسم الصمري بالبصرة، وارتحل إلى الشيخ أبي حامد الإسفراييني، ودرس بالبصرة وبغداد سنين، وله مصنفات كثيرة في الفقه والتفسير، وأصول الفقه والأدب، وكان حافظا للمذهب. مات ببغداد
وقال القاضي شمس الدين في "وفيات الأعيان" من طالع كتاب "الحاوي" له يشهد له بالتبحر ومعرفة المذهب، ولي قضاء بلاد كثيرة، وله تفسير القرآن سماه: "النكت" و "أدب الدنيا والدين" و "الأحكام السلطانية" و "قانون الوزارة وسياسة الملك" و "الإقناع"، مختصر في المذهب
وقيل: إنه لم يظهر شيئا من تصانيفه في حياته، وجمعها في موضع، فلما دنت وفاته، قال لمن يثق به: الكتب التي في المكان الفلاني كلها تصنيفي، وإنما لمْ أُظْهِرها لأني لم أجد نية خالصة، فإذا عاينت الموت، ووقعت في النزع، فاجعل يدك في يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها، فاعلم أنه لم يقبل مني شيء منها، فاعمد إلى الكتب، وألقها في دجلة وإن بسطت يدي، فاعلم أنها قبلت
قال الرجل: فلما احتضر، وضعت يدي في يده، فبسطها، فأظهرت كتبه
قلت: آخر من روى عنه أبو العز بن كادش
قال أبو الفضل بن خيرون: كان رجلا عظيم القدر، متقدما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحسان في كل فن، بينه وبين القاضي أبي الطيب في الوفاة أحد عشر يوما
وقال أبو عمرو بن الصلاح: هو متهم بالاعتزال وكنت أتأول له، وأعتذر عنه، حتى وجدته يختار في بعض الأوقات أقوالهم، قال في تفسيره: لا يشاء عبادة الأوثان. وقال في: جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا معناه: حكمنا بأنهم أعداء، أو تركناهم على العداوة، فلم نمنعهم منها
فتفسيره عظيم الضرر، وكان لا يتظاهر بالانتساب إلى المعتزلة، بل يتكتم، ولكنه لا يوافقهم في خلق القرآن، ويوافقهم في القدر قال في قوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ أي بحكم سابق. وكان لا يرى صحة الرواية بالإجازة
وروى خطيب الموصل، عن ابن بدران الحلواني، عن الماوردي
وفيها مات القاضي أبو الطيب الطبري وأبو عبد الله الحسين بن محمد الونّي والمحدث علي بن بقاء الوراق، وأبو القاسم عمر بن الحسين الخفاف ورئيس الرؤساء علي بن المسلمة الوزير، وأبو الفتح منصور بن الحسين التاني.

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:48 AM
شيخ الإسلام ابن تيمية .




هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبى القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحرانى ثم الدمشقي الإمام الفقيه المجتهد الحافظ المفسر الزاهد أبو العباس تقي الدين شيخ الإسلام وعلم الأعلام
ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران قدم به والده وبإخوته إلى دمشق عند استيلاء التتر على البلاد
وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبى اليسر والمجد بن عساكر والقاسم الإربلى والشيخ شمس الدين بن أبى عمر وخلق كثير سمع المسند مرات والكتب الستة ومعجم الطبرانى وما لا يحصى وكتب بخطه جملة من الأجزاء وأقبل على العلوم في صغره
وأخذ الفقه والأصول عن والده وعن الشيخ شمس الدين بن أبى عمر والشيخ زين الدين ابن المنجى وبرع في ذلك وناظر وقرأ العربية على ابن عبد القوى ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه وأقبل على تفسير القرآن العظيم فبرز فيه وأحكم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم ونظر في علم الكلام والفلسفة وبرز في ذلك على أهله ورد على رؤسائهم وأكابرهم.
وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين سنة وأمده الله تعالى بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك والفهم وكان بطيء النسيان حتى ذكر جماعة أنه لم يكن يحفظ شيئا فينساه وتوفي والده الشيخ شهاب الدين وكان عمره إذ ذاك إحدى وعشرين سنة فقام بوظائفه ودرس بدار الحديث السكرية في أول سنة ثلاث وثمانين وحضر عنده قاضى القضاة شهاب الدين بن المزكى والشيخ شهاب الدين الفزارى والشيخ شهاب الدين ابن المرحل والشيخ زين الدين ابن المنجى وذكر درسا عظيما في البسملة وعظمه الجماعة الحاضرون فأثنوا عليه ثناء كثيرا قال الذهبي وكان الشيخ تاج الدين الفزارى يبالغ في تعظيمه بحيث أنه علق بخطه درسه بالسكرية ثم جلس مكان والده بالجامع يفسر القرآن الكريم وشرع من أوله وكان يورد من حفظه في المجلس نحو كراسين أو أكثر وبقى يفسر في سورة نوح عدة سنين وفي وقت ذكر يوم جمعة شيئا من الصفات فقام بعض المخالفين وسعوا في منعه فلم يمكنهم ذلك وقال قاضى القضاة شهاب الدين الخويى: أنا على اعتقاد الشيخ تقي الدين، فعوتب في ذلك فقال: لأن ذهنه صحيح ومواده كثيرة فهو لا يقول إلا الصحيح
وكان أعجوبة زمانه في الحفظ وقد حكى أن بعض مشايخ حلب قدم دمشق لينظر إلى حفظ الشيخ فسأل عنه فقيل الآن يحضر فلما حضر ذكر له أحاديث فحفظها من ساعته ثم أملى عليه عدة أسانيد انتخبها ثم قال اقرأ هذا فنظر فيه كما فعل أول مرة فقام الشيخ الحلبي وهو يقول إن عاش هذا الفتى ليكونن له شأن عظيم فإن هذا لم ير مثله وقال الشيخ شرف الدين أنا أرجو بركته ودعاه وهو صاحبي وأخي ذكر ذلك البرزالى في تاريخه.
ثم شرع في الجمع والتصنيف من العشرين ولم يزل في علو وازدياد في العلم والقدر إلى آخر عمره قال الحافظ المزى ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه وذكره الذهبي في معجم شيوخه ووصفه بأنه شيخ الإسلام وفريد عصره علما ومعرفة وشجاعة وذكاء ونصحا للأمة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر إلى غير ذلك من الصفات الحميدة والأخلاق المرضية وقال الشيخ كمال الدين ابن الزملكانى كان ابن تيمية إذا سئل عن فن من العلم ظن الرآئى والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله
وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها قال الشيخ زين الدين ابن رجب وقد عرض عليه قضاء الحنابلة قبل التسعين ومشيخة الشيوخ فلم يقبل شيئا من ذلك
وقد كتب ابن الزملكانى بخطه على كتاب إبطال الحيل ترجمة الكتاب واسم الشيخ وترجم له ترجمة عظيمة وأثنى عليه شيئا كثيرا وكتب تحته بخطه ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلت عن الحصر هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر هو آية للخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر، وحكى الذهبي عن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العبد أنه قال له عند اجتماعه به وسماعه لكلامه ما كنت أظن أن الله تعالى بقى يخلق مثلك، وقد كتب العلامة قاضى القضاة تقي الدين السبكى إلى الحافظ الذهبي في أمر الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحقق أن قدره وزخارة بحره وتوسعته في العلوم الشرعية والعقلية وفرط ذكائه واجتهاده بلغ من ذلك كل المبلغ الذي يتجاوزه الوصف والمملوك يقول ذلك دائما وقدره في نفسى أكثر من ذلك وأجل مع ما جمعه الله تعالى من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفي وغرابة مثله في هذا الزمان بل في أزمان وللشيخ أثير الدين أبى حيان الأندلسى النحوى لما دخل الشيخ إلى مصر واجتمع به قال أبياتا لم يقل خيرا منها ولا أفحل:




لما رأينا تقى الدين لاح لنا *** داع إلى الله فرد ماله وزر
على محياه من سيما الأولى صحبوا*** خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهره حبرا***بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا***مقام سيد تيم إذ عصت مضر
فأظهر الحق إذا آثاره درست***وأخمد الشرك إذ طارت له شرر
يا من يحدث عن علم الكتاب أصخ***هذا الإمام الذي قد كان ينتظر




يتبع .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:49 AM
شيوخه :




بلغ عدد شيوخه أكثر من مائتي شيخ، من أبرزهم والده عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت 682)، والمحدث أبو العباس أحمد ابن عبد الدائم (ت668)، وابن أبي اليسر، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن المقدسي الحنبلي (ت689)، وابن الظاهري الحافظ أبوالعباس الحلبي الحنفي (ت690).



تلاميذه :



أَمَّا تلاميذه فلا يحصون كثرة، فمن تلاميذه البارزين والمبرزين
• شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي ابن قيم الجوزية المتوفى سنة (751)
• والحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت 744)
• الحافظ أبوالحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن المزي المتوفى (742)
• والحافظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي (ت748)
• وأبوالفتح ابن سيد الناس محمد بن محمد اليعمري المصري (ت734)
• والحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (ت739)
مؤلفاته:
إن مؤلفات هذا الإمام كثيرة جداً بحيث عجز تلاميذه ومحبوه عن إحصائها، قال تلميذه النجيب شمس الدين أبوعبد الله محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم - رحمه الله -: "أما بعد: فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ أوحد زمانه، تقي الدين أبوالعباس أحمد ابن تيمية - رضي الله عنه - فذكرت لهم أني عجزت عن حصرها وتعدادها لوجوه أبديتها لبعضهم وسأذكرها إن شاء الله فيما بعد..."
ثم قال:
"فمما رأيته في التفسير" فذكر اثنين وتسعين مؤلفا ما بين رسالة وقاعدة
قال: "ومما صنفه في الأصول مبتدئًا أو مجيباً لمعترض أو سائل" فذكر عشرين مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة وقاعدة
ثم قال: "قواعد وفتاوى" فذكر خمسة وأربعين ومائة ما بين كتاب وقاعدة ورسالة
الكتب الفقهية "وسرد خمسة وخمسين مؤلفاً ما بين كتاب ورسالة وقاعدة
وصايا وإجازات ورسائل تتضمن علوماً" بلغت اثنتين وعشرين
وذكر الحافظ ابن عبد الهادي كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام مع ذكر نماذج لبعض المؤلفات والتنويه بمكانتها في كتابه العقود الدرية(11) من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية

ووقع له أمور وأحوال قام عليه فيها المعاند والحاسد إلى أن وصل الحال به أن وضع في قلعة دمشق في مقام أبى الدرداء رضى الله عنه سنة ست وعشرين في شعبان إلى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين ثم مرض أياما ولم يعلم أكثر الناس مرضه وتوفي سحر ليلة الإثنين العشرين من القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وذكره مؤذن القلعة على منارة الجامع وتكلم به الحرس واجتمع الناس ولم تفتح الأسواق المعتادة بالفتح أول النهار واجتمع عنده خلق يبكون ويثنون خيرا وأخبرهم أخوه زين الدين عبد الرحمن أنهما ختما في القلعة ثمانين ختمة والحادية والثمانين أنتهيا فيها إلى قوله تعالى: "إِنَّ المُتَّقِيْنَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِر"، وابتدأ عنده جماعة في القراءة من سورة الرحمن إلى ختمه ولم يفرغ من غسله حتى امتلأ أكثر القلعة بالرجال فصلى عليه بدركاتها الشيخ الزاهد محمد بن تمام وضج الناس ثم خرجوا به إلى جامع دمشق وكثر الجمع حتى يقال إنه فاق جميع الجمع ثم وضع عند موضع الجنائز حتى صليت الظهر ثم صلى عليه نائب الخطيب علاء الدين الخراط لغيبة القزوينى ثم خرجوا به من باب الفرج وكثر الزحام وخرج الناس من غالب أبواب البلد ثم صلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن بسوق الخيل ودفن وقت صلاة العصر بالصوفية إلى جانب أخيه شرف الدين، وحزر الرجال بستين ألفا وأكثر، والنساء بخمسة عشر ألفا وظهر بذلك قول الإمام: "بيننا وبينهم الجنائز"، وتردد الناس إلى قبره و رؤيت له مقامات حسنة وتأسف الناس لفقده رضي الله عنه .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:52 AM
أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي .





أحد علماء القرن السادس الهجري في طرابلس الشام، عاش أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي. وهو من أبرز من عالج القضايا الاقتصادية بين المفكرين المسلمين والعرب الذين عاصروه، وعني بالشأن الاقتصادي كشأن مستقل قائم بذاته. وفضلاً عن ذلك فأبو الفضل جعفر الدمشقي هو بحق، من أوائل العلماء الذين تلكموا في العروض التجارية وأسماء السلع فكان كلامه مرجعاً لغيره من المؤلفين والشراح وسبق ابن خلدون في تناوله لعلم الاقتصاد، وتفرد في معالجته لشؤون التجارة على نحو جعل كتابه هذا يوصف بأنه "الدراسة الوحيدة في أصول مهنة التجارة".
كان الشيخ أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي تاجراً حكيماً، يعيش في طرابلس الشام. وكان تفكيره الاقتصادي والتجاري مندمجاً بنزعته الدينية لعالم مسلم، واسع الاطلاع، وهذا واضح من كثرة عودته إلى القرآن والأحاديث النبوية، واستشهاده بمأثورات القول عن الإمام علي وعن كثير من العلماء والحكماء والفلاسفة والمصلحين، وحضه على التزام الأخلاق الكريمة والقناعة والسماحة والاستقامة في مزاولة التجارة، ونصحه بالاعتدال في الإنفاق وتجنب المعصية، وذلك كله أمر يتضح بجلاء في كتابه "الإشارة إلى محاسن التجارة"
لم نقع من كتب التراجم أو الطبقات على تعيين يقين لتاريخ مولد أو وفاة الشيخ أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي، لكن دائرة المعارف الإسلامية، ترى أن أبا الفضل قد عاش في القرنين الخامس والسادس الهجريين، الموافقين للقرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين. وقد ورد في نسخة مخطوطة كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة، التي وجدت في المكتبة الخديوية في مصر ما نصه: "تم كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة بفضل الله وحمده. وصلى الله على محمد نبيه، وكان الفراغ منه عند صلاة الظهر من نهار يوم الاثنين السادس من شهر رمضان سنة سبعين وخمسمائة غفر الله لكاتبها ومالكها أمين يا رب العالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
وبذلك فإن تاريخ إنجاز كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة في عام 570 هجري يوافق عام 1175 ميلادي. الأمر الذي يؤكد ما ورد في دائرة المعارف الإسلامية من أن أبا الفضل قد عاش في القرنين الخامس والسادس الهجريين. بدأ أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي كتابه الإشارة إلى محاسن التجارة بالحديث عن المال (حقيقة المال وأقسامه والحاجة إليه). في بيان حقيقة المال أوضح الدمشقي أن المال في اللغة هو القليل والكثير من المقتنيات وينقسم إلى أربعة أقسام:
• الصامت: وهو العين، ما ضرب من الدنانير، أو الورق وهو المال من الدراهم. وبذلك فالمال الصامت هو الدنانير الذهبية والدراهم وسائر المصوغ منها.
• العرض: ويشتمل على الأمتعة والبضائع والجواهر والمعادن وسائر الأشياء المصنوعة منها.
• العقار: وهو صنفان أحدهما المسقف وهو الدار والحانوت والحمامات والمعاصر والفواخير والأفران … الخ، والآخر المزدرع ويشمل البساتين والكروم والمراعي والغياض وما يحويه من العيون والحقوق في مياه الأنهار.
• الحيوان: وتسمية العرب المال الناطق وهو ثلاثة أصناف:
• الرقيق وهو العبيد والإماء.
• الكراع وهو الخيل والإبل المستعملة.
• الماشية وهي الغنم والبقر والماعز والإبل السائمة المهملة.
في مجال مدح الغنى المكتسب والموروث. ونسبية قيمة الأموال. جميع الأموال نافعة لأهلها (إذا دبرت كما يجب وبعضها أفضل من بعض وتختلف باختلاف أحوال الزمان وبحكم ما هي عليه من صفاتها المكروهة أو المحبوبة وأحوالها المحمودة أو المذمومة). ويصنف الدمشقي حاجات الإنسان إلى المال الصامت في مجموعتين:
• حاجات ضرورية طبيعية ( الغذاء والكساء أو المأوى)
• حاجات عرضية وضعية (الحاجة إلى السلاح في مواجهة العدو أو الحاجة إلى الدواء وقت السقم) .



يتبع .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:55 AM
كما تحدث عن ضرورة الاجتماع ليعين الناس بعضهم بعضاً، لان الإنسان عاجز عن أن يحيط بالصناعات كلها من أولها إلى آخرها. ثم ناقش أهمية النقود وضرورتها، وتطرق إلى بيان كيفية اختبار الذهب والفضة كيميائياً وتحديد الصحيح منه والمزيف أو المغشوش. كما تحدث عن طرائق حفظ وصيانة الأغراض من أمتعة وبضائع وجواهر وغيرها. وتكلم عن نظرية الثمن والقيمة، والسوق وآلية العرض والطلب. كما تحدث عن العقار وكيفية الاحتياط في شراء الأملاك. وحدد الدمشقي في كتابه أيضاً الطبقات المحمودة في أصناف كثيرة من الحيوان قم ناقش أسباب الحصول على الأموال فقال: (إن أسباب الملكية هي القصد والمصادفة، وتفرع في ذلك إلى بيان اكتساب المغالبة والاحتيال، وعنده أن ضروب الاحتيال في طلب الاكتساب هي: التجارة والصناعة وما يركب منها، وقد تكلم عن الصنائع العلمية والعملية).



وبعد أن شرح فكرة تفاضل الصنائع والعلوم، قام الدمشقي بسرد الوسائل الاقتصادية لحفظ المال وما يجب أن يحذر في إنفاقه. كما ناقش موضوع ميزانية الأسرة وتنظيم الإنفاق العائلي، وكذلك تنظيم المالية العامة. وقدم في نهاية الكتاب عدداً في الوصايا للتجار، ما كانت تستقيم التجارة بدونها. وأهم ما في هذا الكتاب أن شيخنا الدمشقي كان يستشهد في كل ما كتب بآيات من القرآن الكريم وأحاديث من السنة النبوية، والأقوال المأثورة عن الحكماء والفلاسفة والأدباء. وهذا يشهد للمؤلف بالعلم والفضل معاً. وحدد أهم الصفات للتاجر الناجح نذكر منها:



• معرفة الغشوش
• الحذر في تصديق السماسرة
• الاحتراس في تصديق أحاديث التجار.
• الاستعانة بالثقاة والأعوان.
• الشراء من زاهد والبيع إلى راغب.
• الاعتدال في طلب الفائدة والربح.
• لزوم ما تحققت فيه البركة.
• المسامحة في البيع.
وطالب أيضاً بالتحرز من خطر المطمعين والمزيفين، وكذلك التحرز من المبرطحين (وهم من شر الخونة) والمحتالين خوفاً من النصب والاحتيال. وطالب أيضا بالتحرز من أهل الربا (الذين يصيدون الدنيا بالدين). وأوضح المؤلف أن حفظ المال يحتاج إلى خمسة أشياء:
• أن لا ينفق الإنسان أكثر مما يكسب.
• أن لا يكون ما ينفق مساوياً لما يكسب.
• أن يحذر الرجل من أن يمد يده إلى ما يعجز عنه وعن القيام به.
• أن لا يشغل الرجل ماله بالشيء الذي يبطئ خروجه عنه.
• أن يكون الرجل سريعاً إلى بيع تجارته بطيئاً عن بيع عقار وإن قل ربحه بالتجارة وكثر في بيع العقار.
أما إنفاق المال فينبغي أن يحذر فيه خمس خصال:
• اللؤم: الإمساك عن أبواب الجميل.
• التقصير: التضييق في مصالح العيال.
• الإسراف: الانهماك في اللذات واتباع الشهوات.
• البذخ: أن يتعدى الرجل ما يتخذه أهل طبقته.
• سوء التدبير: أن لا يوزع نفقته في جميع حوائجه على التقسيط والاستواء.
وقد ورد في دائرة المعارف الإسلامية حول كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة: أن الدمشقي كتب فيه عن التاجر وعن بضاعته، وميز بين أصناف التجار فذكر الخزان أي تاجر الجملة والركاض أي التاجر المتجول أو المستورد والتاجر المجهز أي المصدر، كما تحدث عن الوكالات التجارية. حيث يجب على المجهز (المصدر) " أن ينصب له في الموضع الذي يجهز إليه وكيلاً مأموناً يفيض البضائع التي يصدرها إليه ثم لا ينفذ بضاعة إلا مع الأصحاب الثقاة الذين يدعونها ويتولى هذا الفايض بيعها وشراء الأعواض عنها وله حصة في الربح" كما ناقش مسائل الاقتصاد النظرية، كتحديد الأسعار في السوق ومتوسط السعر والقيمة والنقود وغير ذلك.

محاسن الظاهر
06-07-2010, 06:58 AM
عبد الرحمن بن خلدون






(732-808هـ) (1332- 1406 م) .





ولد العلامة ابن خلدون في عام 732هـ/1332م في مدينة تونس، حيث كانت هذه المدينة مركزاً للعلماء يقصدونها من مختلف أنحاء المغرب. كما وفد عليها عدد من علماء الأندلس هروباً من الفتن والاضطرابات التي كانت تعم هناك آنذاك.



وكان ابن خلدون يُنعت أحياناً بالحضرمي نسبة إلى جده الأعلى وائل بن حجر، وهو يماني من حضرموت.




تتلمذ ابن خلدون على أيدي عدد من العلماء والمفكرين منهم محمد بن عبد المهين الحضرمي ومحمد بن إبراهيم الآبلي ومحمد بن بزال الأنصاري وغيرهم. وقد درس ابن خلدون تعاليم الدين من خلال القرآن والشريعة والفلسفة. ومنذ أن بلغ ابن خلدون الثامنة عشرة من عمره، تخلى "مؤقتاً" عن طلب العلم وآخذ يسعى إلى تولي وظائف الدولة، وأوكل إليه كتابة العلامة عن السلطان المحجور عليه أبي إسحاق في تونس. ثم انضم ابن خلدون إلى بطانة السلطان أبي عنان، حيث لقي إكراماً في قصر السلطان وعينه في المجلس العلمي بفاس، مما أتاح له معاودة البحث والعلم والاتصال مجدداً بالعلماء والأدباء الذين اجتمعوا في المغرب العربي بفاس .



لقد كان ابن خلدون يطمح لبلوغ أعلى المناصب، إن لم نقل بلوغ السلطة نفسها.



لقد عينه السلطان أبو سالم في فاس في كتابة سيره، والترسيل عنه، والإنشاء لمخاطباته.



وبقي في هذا المنصب نحو عامين، ما لبث بعدهما أن تولى القضاء، فكان فيه كفياً عادلاً
وفي عام 764هـ استقال ابن خلدون من مناصبه في فاس وتوجه إلى غر ناطة، فاستقبله سلطانها آنئذ محمد بن يوسف بن إسماعيل بن الأحمر النصري وأكرم وفادته.



وفي عام 766هـ عاد ابن خلدون إلى بجاية وتولى فيها الحجابة وهو أعلى منصب من مناصب الدولة في ذلك الحين، وهو يعادل منصب رئيس الوزراء في أيامنا. ثم أضاف إليه أعظم منصب علمي عندما أصبح خطيباً لجامع القصبة.



(وبذلك أصبح كل شيء في قبضة يده، يصرفه كيف يشاء
فاستبد بأمور الدولة مستخدماً في سبيل ذلك كل ما يملكه من حزم وذكاء) .



وتنقل ابن خلدون بين بجاية وبسكره وتلمسان
بدأ ابن خلدون في كتابة مقدمته في عام 775هـ أثناء إقامته في قلعة ابن سلامة ويصف لنا ابن خلدون إقامته في هذه القلعة قائلاً " وأقمت فيها أربعة أعوام. متخلياً عن الشواغل، وشرعت في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيم بها، وأكملت المقدمة على ذلك النحو الغريب الذي اهتديت إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتها وتألفت نتائجها".



وقد أنهى ابن خلدون كتابة مقدمته في منتصف سنة 779هـ
وفي عام 784 هـ توجه ابن خلدون إلى الإسكندرية، ثم انتقل إلى القاهرة، التي يصفها قائلاً: "حاضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح فيها القصور والأواوين، وتزهو بآفاقها المدارس والخوانق، وتضيء فيها البدور والكواكب من العلماء.



واستقر في الجامع الأزهر لتدريس طلبة العلم، إلى أن عينه السلطان الظاهر برقوق في عام 786هـ في منصب قاضي المالكية، فقام به ابن خلدون بكفاية تامة. مالت به النفس إلى الزهد في شؤون الدنيا واعتزم ترك منصب قاضي المالكية، ولكنه استمر في المناصب العلمية والتدريس، ثم أعيد إليه منصب قاضي قضاة المالكية من جديد، وتكرر العزل وتكررت الإعادة عدة مرات، إلى أن توفي في هذا المنصب سنة 808هـ. الموافق لعام 1406م، وله من العمر ثمان وسبعون سنة .

محاسن الظاهر
06-07-2010, 07:02 AM
تقي الدين المقريزي .





ولد تقي الدين المقريزي في القاهرة سنة 766هـ / 1364م وتوفي بها سنة 845هـ / 1441م ويرجع نسبه إلى آل عبيد الفاطميين، ويذكر لنا المؤرخون أن جده كان أصله من بعلبك بالشام وكان من كبار المحدثين بها ثم أتي والده على إلى القاهرة وولي بها بعض الوظائف القضائية وكتب التوقيع بديوان الإنشاء، وقد نشأ المقريزي بالقاهرة ودرس في الأزهر وتخصص في دراسة الفقه والحديث وعلوم الدين وبرع في الأدب وأجاد النثر وعين في وظائف الوعظ وقراءة الحديث بالمساجد الجامعة وولي الحسبة بالقاهرة أكثر من مرة وهى من وظائف القضاء الهامة كما ولي الخطابة بجامع عمرو بن العاص وبمدرسة السلطان حسن والإمامة بجامع الحاكم وقراءة الحديث بالمدرسة المؤيدية وغيرها، كما تقلب في عدة وظائف قضائية في القاهرة ودمشق، وكان لتقي الدين المقريزي مكانة عند الملك الظاهر برقوق ثم عند ولده الملك الناصر فرج من بعده كما توثقت صلته بالأمير يشبك الدودار وقتا ونال في عهده جاها ومالا، ثم زهد الوظائف العامة واستقر في القاهرة وتفرغ للكتابة
وللمقريزي مؤلفات عديدة منها " الدرر المضيئة" ويختص بتاريخ الخلفاء حتى نهاية الدولة العباسية و " إمتاع الأسماع في ما للنبي من الحفدة والأتباع" و "الإلمام بمن في أرض الحبشة من ملوك الإسلام"، بالإضافة إلى رسالته في تاريخ النقود، وفي الغناء وغيرهم، وكتاب "المقفي" وهو خاص بسير الأمراء والكبراء الذين عاشوا في مصر، وكتاب "درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة" وهو خاص بتراجم مشاهير عصره، وكتاب "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء" ويختص بتاريخ الدولة الفاطمية والخلفاء الفاطميين وغيرها من المؤلفات
إلا أن أعظم مؤلفاته كتابين الأول هو "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" والذي يمكن القول عنه أنه جامع لتاريخ مصر القاهرة ومجتمعاتها وخططها القديمة وشوارعها وأسواقها وأثارها وجوامعها وقصورها ودروبها ومدارسها بل يمكن القول بأنه لم يترك شارعا ولا حيا ولا صرحا أثريا إلا وتناوله بالحديث والشرح، أما الكتاب الثاني الهام فهو كتاب "السلوك في معرفة دول الملوك" ويتناول فيه تاريخ دول المماليك في مصر.