المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المليونير الذي يعترف به الإسلام


mohammadhuda_1968
11-07-2006, 05:45 PM
حقا لقد كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أثرياء مما نسميهم بلغة اليوم " أصحاب ملايين" كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، إلا أن كلا منهم " مليونير " بالمفهوم الإسلامي، أي ملتزم بحكم الشرع حيث أنه :

1. لا يملك أن يكنز ماله أو يحبسه عن التداول والإنتاج، لقوله تعالى : " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون "/ التوبة:34-35.
أي أنا مطالب باستثمار ماله لصالح المجتمع.

2. لا يملك أن يصرف ماله على غير مقتضى العقل، وإلا عد سفيها وجاز الحجر عليه، لقوله تعالى: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما "/ النساء:5. أي أنه مطالب بالرشد في الإنفاق الشخصي.

3. لا يملك أن يعيش عيشة مترفة تؤدي إلى البطر، حتى لقد وصف الله تعالى المترفين بالإجرام بقوله سبحانه :" واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه، وكانوا مجرمين ". أي أنه مطالب بعدم الغلو في معيشته والاعتدال في حياته.

4. وهو أخيرا مأمور بأن ينفق كل ما زاد عن حاجته في سبيل الله، لقوله تعالى : " يسألونك ماذا ينفقون، قل العفو "، وقول رسوله الكريم " يا ابن آدم، أن تبذل الفضل خير لك وأن تمسكه شر لك"، والعفو أو الفضل هو كل ما زاد عن الحاجة.

فالإسلام لا يكتفي بفريضة الزكاة، بل يطالب القادرين أيضا بفريضة الإنفاق في سبيل الله، وينذرهم في إغفالها بالتهلكة والحساب العسير إذ يقول تعالى : " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، وقوله سبحانه :" ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ".

ويقول صلى الله عليه وسلم " السخي قريب من الله ، قريب من الناس، قريب من الجنة. والبخيل بعيد عن الله، بعيد عن الناس، بعيد عن الجنة، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل".

أي أن الثري في الإسلام يلتزم بالإنفاق في سبيل الله، أي في سبيل المجتمع، وليس مجرد الاكتفاء بأداء الزكاة. وتزداد مسئولياته كلما وسع الله عليه، وعليه أن يباشر ذلك تلقائيا بدافع من العقيدة وابتغاء مرضاة الله، وإلا حق للدولة التدخل وإلزامه بأداء هذه الفريضة على الوجه الذي تراه متفقا والصالح العام.

مؤدي ما تقدم أن المليونير الذي يعترف به الإسلام هو الذي يستثمر ماله كله لصالح المجتمع، وهو الذي ينفق ما زاد عن حاجته لصالح المجتمع، مبتغيا في استثماره وإنفاقه وجه الله، مستشعرا أن ماله أمانة ووديعة أودعها الله تعالى بيده، وأنها بلاء واختبار، ليس له منه إلا ما يسد حاجته بالحق دون استعلاء أو مخيلة ودون سرف أو ترف.


وبعبارة أخرى، ان المليونير في الإسلام لا يملك أن يعيش في سرف أو ترف، وليس أمامه بالنسبة لماله الزائد عن حد الكفاية أو تمام الكفاية إلا أحد أمرين :

أ – إما استثماره في مشروعات إنتاجية تعود بالنفع على المجتمع.
ب – وإما إنفاقه على الفقراء والمحتاجين وفي مشروعات خيرية.

5. وواضح مما تقدم، انه على خلاف سائر الاقتصاديات الوضعية، يعالج الإسلام توزيع الثروات والدخول من زاوية لا تخطر على بال بشر، هي زاوية استعمال الثروة أو الدخل مما لا نجد له مثيلا في أي مذهب أو نظام اقتصادي.

فمثلا في ظل أي نظام اقتصادي رأسماليا كان أو اشتراكيا، يستطيع المرء في ظل هذا النظام أن يكون ثروة وأن يكون بلغة اليوم "مليونيرا"، وأنه طالما كون ثروته بالطرق المسموح بها في هذا النظام، فإن أحدا لا يملك أن يحاسبه عن كيفية استخدام دخله أو التصرف في ثروته.


بخلاف الأمر في الإسلام فإن هذا الثري ليس حرا في استعمال ماله كيفما شاء، بل هو مقيد بعدة قيود بحيث لا يستطيع على نحو ما سبق بيانه:

حبس ماله عن التداول والإنتاج، أو صرفه على غير مقتضى العقل وإلا عد بنص القرآن سفيها وجاز الحجر، كما لا يستطيع أن يعيش عيشة مترفة وإلا عد بنص القرآن مجرما، وليس له من ماله وكسبه سوى ما يسد حاجته أو كفايته، وما زاد عن ذلك ليس له إلا أحد خيارين : إما استثماره باسمه في مشروعات إنتاجية تعود بالنفع على المجتمع، وإما إنفاقه مباشرة على الفقراء والمحتاجين وفي مشروعات خيرية.

ولقد كان المسلمون الأوائل يتسابقون في البحث عن كل محتاج لكفالته، ابتغاء وجه الله. بل لقد كان أثرياء المسلمين يسارعون في القيام بالتزامات الدولة ذاتها.

فهذا عثمان بن عفان يقوم بتجهيز جيش العسرة، وهذا عبد الرحمن بن عوف يدفع كل ثروته لإعتاق الرقيق وسد حاجة كل طالب.

ولم تكن المسارعة إلى البذل في سبيل الخير من شأن المكثرين وحدهم، بل كان ذلك أيضا من المقلين حتى كان منهم من يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وفيهم نزل قوله تعالى : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " / الحشر:9


د/ محمد شوقي الفنجري
أستاذ الاقتصاد الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية